الاقتصاد الأمريكي في طريقه إلى الازدهار من جديد، ولكن!

الاقتصاد الأمريكي في طريقه إلى الازدهار من جديد، ولكن!

بعد التعافي التدريجي لسنوات عديدة من تداعيات الأزمة العالمية منذ ما يقرب من العقد الآن، أصبح الاقتصاد الأمريكي على أعتاب مرحلة جديدة من الازدهار. فبات سوق العمل على مشارف الوصول لمستويات التوظيف الكاملة والتضخم مستمر في ارتفاعه باتجاه هدف الفيدرالي كما ارتفعت مستويات الثقة بين الأسر حيال المستقبل للاقتصادي للبلاد. وقد جاءت تلك الأوضاع لتصب في صالح قطاعي التصنيع والبناء. والآن أصبح الاقتصاد الأمريكي بصدد تحقيق طفرة في النمو خلال السنوات القادمة متحدياً كافة المخاطر التي قد تقف أمامه.

وقد نجح الاقتصاد في الدفع بمعدلات البطالة إلى مستويات متدينة سجلت 4.7%، فيما ارتفعت الأجور بنسبة 2.8% خلال العام الأخير. فإن تحسن مستويات التوظيف بالتزامن مع ارتفاع الأجور شجع الأفراد على دخول سوق العمل بحثاً عن فرص عمل، وهو ما عزز من ارتفاعات نسب المشاركة في سوق العمل على مدار الفترات الأخيرة.

يرى الخبراء أن من أوضح الدلائل على أن الاقتصاد الأمريكي يقترب من مستويات التوظيف الكاملة هو ارتفاع معدل التضخم بالتزامن. وكان معدل التضخم الأساسي، أي باستثناء أسعار الغذاء والطاقة والتي تشهد العديد من التقلبات، قد سجل ارتفاع سنوي وصل إلى 2.2% خلال العام الأخير مرتفعاً عن متوسط الثلاثة سنوات الماضية قرابة 1.8%. وفي خلال الثلاثة شهور الأخيرة فقط، نجح المؤشر في الارتفاع بالنسبة 2.8%.

وفي نفس الوقت، فإن ثروات الأسر ترتفع بشكل ملحوظ. وقد زادت أسعار المنازل والتي تعد أكثر الأصول أهمية للأسر الأمريكية بنسبة 5% خلال الـ 12 شهراً الماضية. كما ساهمت ارتفاعات سوق الأسهم الأخيرة في ارتفاع ثروات الأسر بوتيرة سريعة.

كانت استطلاعات الثقة قد أظهرت ارتفاع حالة التفاؤل بين المستهلكين، وقد سجل مؤشر الثقة الصادر عن جامعة ميتشجان أعلى مستوياته على مدار الـ 17 عاماً فيما وصل مؤشر الثقة الصادر عن مؤسسة كونفرنس بورد أعلى مستويات جديده له على مدار ما يقرب من الـ 15 عاماً خلال الشهور الأولى من هذا العام.

وكما ذكرنا، جاء تحسن الأداء الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة ليقدم دعماً للقطاع التصنيعي حيث ارتفعت معدلات الإنتاج على مدار الستة شهور الأخيرة. كذلك تواصل معدلات البناء ارتفاعها في محاولة لمواكبة ارتفاعات الطلب. وكان الطلب على منازل الأسرة الواحدة قد ارتفع بأكثر من 6% خلال الـ 12 عشر شهراً الماضية.

كل هذه العوامل تصب في صالح نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي أو المعدل طبقاً للتضخم بوتيرة أسرع خلال العام 2017 مقارنة بالسنوات الأخيرة الماضية. ففي حين أن تقلبات النشاط التجاري و تباين المخزونات بين الحين والأخر قد وقفا عائقاً أمام ارتفاع النمو خلال الآونة الأخيرة، إلا أن أرقام المبيعات إلى القطاعات الخاصة بقيمتها الحقيقية قد نجحت في الارتفاع بنسبة سنوية سجلت 2.5%. الأمر الذي يدعم نمو الناتج المحلي ربما بنفس النسبة على مدار 2017.

لكن وعلى الرغم من صحة الأداء الاقتصادي خلال الفترة الراهنة وقوته، إلا أنه لا يمكن إنكار حقيقة أنه لايزال هشاً. فقد عانى الاقتصاد من معدلات الفائدة المنخفضة لما يقارب الـ 10 سنوات مما دفع بالمستثمرين إلى السعي نحو تحقيق عائدات أكثر ارتفاعاً من خلال المزايدة على أسعار الأصول والحصول على قروض محفوفة بالمخاطر. وهنا قد يتسبب ارتفاع أسعار الأصول بنحوٍ مبالغ فيه بالتزامن مع ارتفاع القروض ذات المخاطرة العالية في تعريض الاقتصاد لمخاطر هبوطية جديدة.

فبالنظر إلى مؤشر ستاندرز آند بورز الأمريكي أو S&P نرى أن نسبة السعر إلى الربح قد ارتفعت بحوالي 70% عن متوسط قيمتها التاريخية، ومع تراجعها من جديد إلى مستوياتها الطبيعية سيؤدي إلى تراجع الأسعار بنسبة تصل إلى 40%، وهو ما قد يتسبب في خسارة ما يزيد عن الـ 9 تريليون دولار أمريكي أي ما يعادل تقريباً نصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

أما عائدات سندات الخزانة لأجل 10 سنوات تستقر حالياً قرابة 2.5%. ومع تجاوز أسعار المستهلكين للنسبة 2% وتوقعات ارتفاع التضخم على المدى الطويل، فقد تصل العائدات إلى 4% وما فوق. وسيكون هذا الارتفاع سبباً في تراجع سعر السندات في المقابل، وقد تعاني السندات طويلة الأجل سواء الحكومية أو سندات الشركات من انخفاضات السعر تباعاً.

هذا، وقد تسبب البحث عن العائدات المرتفعة في تضييق الفجوة الائتمانية بين السندات ذات الجودة المرتفعة والسندات المحلية أو سندات الأسواق الناشئة الأكثر خطورة. كما ارتفعت أسعار العقارات التجارية إلى مستويات غير مستدامة.  وفي الوقت ذاته، أقدمت البنوك وكذلك المقرضين على تقديم قروض بأسعار فائدة لا تتناسب مع نسب المخاطرة التي قد يتعرض لها المقترضين. ونظراً لحقيقة أن تلك القروض تُقدم بشروط أقل إلى المقترضين، فإنها تكون أكثر عُرضة للتخلف عن السداد في حال ساءت الأوضاع الاقتصادية وعجز المقترضون عن سداد الأموال المقترضة. 

في النهاية، تبقى تلك المخاطر مجرد مخاوف وليس من الضروري أن تتجسد في الواقع، لكنه أيضاً لا يمكن إغفالها. وقد تعود معدلات الفائدة بالتدريج إلى مستوياتها الطبيعية فيما تصحح أسعار الأصول اتجاهها بنحوٍ تدريجي. لكن في واقع الأمر، يبقى استقرار الفائدة عند أدنى مستويات تاريخياً هو الخطر الحقيقي على الاقتصاد وقد يتسبب في هبوط أسعار الأصول وإعاقة النمو الاقتصادي. وسوف يكون هذا هو التحدي الأبرز أمام كل من الاحتياطي الفيدرالي وإدارة ترامب خلال الفترة القادمة. 


للمزيد حول تطورات المشهد الأمريكي، ننصحكم بالإطلاع على: 

اقرأ أيضاً: 

 

 


large image
الندوات و الدورات القادمة
large image