profile photo

قد يصبح يوم الإثنين 25 أبريل من العام 2016م يوما تاريخيا للمملكة العربية السعودية، يؤرخ السعوديون بما قبله وما بعده، وذلك بإعلان صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي ولي العهد السعودي ورئيس المجلس الاقتصادي برنامج التحول الوطني.

وما رشح حتى الأن من جوانب ذلك البرنامج الضخم يوحي بنقلة نوعية كبيرة ستشهدها السعودية خلال العشر سنوات القادمة، حيث يشمل ذلك التحول أهم قطاعات الدولة (التعليم والإقتصاد والإسكان والعدالة الإجتماعية والبنى التحتية والإدارة وبقية القطاعات).

المملكة العربية السعودية ليست جديدة على التخطيط الإستراتيجي، فقد بدأت أولى الخطط الإستراتيجية عام 1970م بالخطة الخمسية الأولى التي وُجهت لإنشاء البنية التحتية للدولة، ثم توالت بعد ذلك الخطط كل خمس سنوات، وفي هذا العام بدأت الخطة الخمسية العاشرة.

والباحث في تلك الخطط الخمسية يدرك كما كانت طموحة وبنّاءة، والمنصف يقول أنها حققت إنجازات تنموية كبيرة على كافة المستويات. لكن النتائج التي حققتها الخطط الخمسية لا تمثل فعلا الخطط الموضوعة، والهوة الكبيرة بين الخطط والنتائج يقر بها حتى المسؤولين في الحكومة، كما أن النتائج لا توازي ما أُنفق على تلك الخطط من أموال ضخمة جدا.

الفساد هو السبب في التباين الكبير بين التخطيط والإنفاق من جانب والنتائج من الجانب الأخر، وقد كان الفساد يستغل الفرص والثغرات الموجودة في النظام والإجراءات غير الدقيقة للإستفادة من نفقات التنمية للكسب الخاص، لكنه وخلال عقود طويلة من عدم المحاربة الجدية، كبُر وتضخم حتى أصبح كيانا موازيا لكيان الحكومة يخلق الفرص ولا ينتظرها، ويحول الأهداف والبرامج لصالحه ويستغل المشاريع الحيوية لمصالحه ولا يقبل بالفتات كما كان في بداياته.

ذلك الفساد هو التحدي الأول بل المعضلة الأولى أمام التحول الوطني ولن يقبل أن يتنازل عن المواقع التي يسيطر عليها، ولن يتخلى عن مكاسبه التي حققها خلال عقود التنمية.

وسوف يقاتل بكل قوة لمنع أي تحول يغير المعادلة ويعيده إلى المواقع الخلفية كما كان، ينتظر الفرص القليلة والنادرة والمحفوفة بالمخاطر ليحقق القليل من المكاسب، خصوصا أن لديه من القوة ما يستطيع بها منع أو تعطيل ذلك التحول.

محاربة الفساد حرب وجود لا هوادة فيها هي المقدمة بين يدي نجاح التحول الوطني، بغير تلك الحرب الحقيقية فإن التحول الوطني لن يَعْدُ أن يكون خطة كغيرها من الخطط الجميلة المعالم، ولن يحقق التحول أهدافه مهما كانت أفكاره رائعة وأحلامه طموحة، لأن الفساد تعود أن يكون كل شيء.

تعود الشعب السعودي من حكومته أن تتحمل عنه تكاليف كثيرة من الخدمات التي تقدمها له، وتخفيف تكاليف بقية الخدمات لتجعل ما يتحمله المواطن منها بسيطا ورمزيا لا يؤثر في موازنته ولا يشعر به فعلا.

والتحول الوطني يحمل في طياته تغيرا كبيرا في هذا الجانب وقد بدأ تطبيق شيئ من ذلك التغير برفع تكاليف الطاقة من وقود وكهرباء ورفع تعرفة الماء، ومن المتوقع أن يشمل التحول وجود أنواع من الضرائب التي يتحملها المواطن، ولو عن طريق رفع الدعم عن بعض السلع والخدمات الذي كانت تقدمه الحكومه للمواطن.

وهذا ما لن يلقى قبولا لدى معظم المواطنين، ومن المتوقع أن يجابه هذا الجزء من خطة التحول بالرفض والتذمر من المواطنين، ومحاولات الإلتفاف عليه.

ومواقع التواصل الإجتماعي تساعد على تكوين رأي عام رافض قادر على الضغط على الحكومة، وقد نجح في مرات سابقة في إجبار الحكومة على التراجع عن قرارات بهذا الإتجاه، أو على الأقل تحويره وتخفيف أثره، أو تأجيل تطبيقه.

وهذا التحدي لا يقل صعوبة ولا تأثير عن تحدي الفساد، بل إن بينهما ترابطٌ كبير يجعلهما يسيران في خطين متوازيين؛ فرغم شكوى الناس من الفساد إلا أنهم كثيرا ما يستفيدون منه ويلجأون إليه، ومن مصلحة الفساد أن يبقى الناس محتاجون إليه ليستطيع التحكم والسيطرة عليهم.

رفع أسعار الطاقة ورفع الدعم عن الخدمات وإقرار الضريبة على القيمة المضافة والضرائب الأخرى سوف توفر للحكومة دخلا إضافيا يتجاوز 100 مليار ريال، لكن تلك الإجراءات ستعمل على زيادة التضخم ورفع تكلفة المعيشة على المواطنين، وربما لمستويات لا تستطيع الطبقة الوسطى الصمود أمامها.

وهذا التحدي أعتقد أنه أصعب التحديات بالنسبة للحكومة، فالتوازن بين تقنين النفقات والإستفادة منها بأعلى قدر من الفائدة وتوفير دخل إضافي من خلال توفير بعض النفقات، والحفاظ على المستوى المعيشي للمواطن، والأهم الحفاظ على الطبقة الوسطى من الإنهيار، مسألة في غاية الأهمية والصعوبة في نفس الوقت.

والتجارب غير الناجحة التي مرت بها كثير من الدول أدت إلى تلاشي الطبقة الوسطى وإنهيار المجتمع، والنتائج لهذا الأمر كارثية على بقاء كيان الدول، وقد أدى ذلك إلى تراجع كثير من الدول عن تلك الإصلاحات حفاظا على كيان الدولة.

التحول الوطني سيشمل قضايا إجتماعية تتعلق بالمرأة والثقافة والتعليم، وهي قضايا محل صراع مرير بين فئتين من المجتمع السعودي، ولكل فئة مراكز قوتها وأتباعها المؤثرين.

الفئة الأولى هم بعض القيادات الدينية ممن كان يطلق عليهم في السابق قادة الصحوة، وهؤلاء يرفضون بقوة معظم التغيرات التي تمس تلك المسائل الثلاث، بل ونجحوا في الماضي بإفشال كل محاولات التغيير التي إستهدفت المرأة والثقافة والتعليم، ولو أن قوتهم تراجعت في السنوات الست الماضية لأسباب مختلفة، إلا أن لهم أتباع كثر في المجتمع يستطيعون رفع أصواتهم عاليا بدعم من مواقع التواصل الإجتماعي.

الفئة الثانية من يسمون في المجتمع السعودي باللبراليين، وهم يدعمون بكل قوة ذلك التحول ويدعون إليه منذ الثمانينات الميلادية، لكن هؤلاء لا يملكون قاعدة جماهيرية يستطيعون بواسطتها فرض بعض التوجهات، لكنهم يسيطرون على الإعلام، ولبعض قياداتهم كلمة مسموعة عند الحكومة، وبعض طروحاتم الداعية إلى التغيير أو الشامته بتطبيق بعض القرارات التي ينادون بها تسبب في كثير من الأحيان إحراجا للحكومة، بل حدث في حالات كثيرة إتخاذ إجراءات ضد بعضهم لما يسببونه من إثارة لجزء من المجتمع. ولا تخل توجهات الطرفين من مصالح خاصة تحت غطاء من المصالح العامة.

أما واقع المجتمع السعودي فإنه بمجمله كان يميل إلى الفئة الأولى لكنه بدأ يتذمر من بعض تشدده، لكنه عموما يرفض بعض أنواع التغيير الذي تطالب به الفئة الثانية ويرفضه، خصوصا تلك التي تمس المرأة وحقوقها.

والتحدي الذي سيواجه التحول الوطني هو أن يحقق التوازن بين إعطاء كل فئات المجتمع حقوقهم، ودعم الحريات والتنوع الثقافي، وتغيير النظام التعليمي بما يخدم ذلك التحول، وفي نفس الوقت التقليل من أسباب الصراع مع القيادات الدينية وأتباعهم من المجتمع ممن له رؤيتهم الخاصة لتلك القضايا الثقافية والإجتماعية والعلمية.

والحقيقة أن الصراع فيما يتعلق بهذه الجوانب مسألة حتمية لا مفر منها، وظهرت بوادر ذلك الصراع بعد قرار تقليص صلاحيات الهيئة، وقد يكون لبعض القرارات الأخرى المتعلقة بالمرأة ردود فعل أكبر.

كان ولا زال محرك التحول الوطني إقتصادي بسبب تراجع أسعار النفط، والهدف المعلن إقتصادي وهو تقليل الإعتماد على النفط كمصدر رئيس للدخل، ولا شك أن ذلك الهدف مهم، لكنه ليس أهم من بقية الأهداف كالحريات وسيادة القانون، وتطوير الأنظمة التي عفى عليها الزمن، وتقوية الإجهزة الرقابية وتطوير أنظمتها، وتطوير نظام الشورى بحيث يمثل رأي المجتمع فعلا ويكون لقراراته صفة إلزامية لا إستشارية كما هو الأن، وتفعيل نظام المحاسبة لكبار المسؤولين.

كل تلك الأمور مسائل جوهرية ولن يحقق التحول الوطني أهدافة من خلال تحسين مستوي الدخل بمصادر أخرى غير النفط فقط، لذلك من المهم أن يلمس المواطن تحسنا في تلك الجوانب النظامية والتنظيمية.

ومن التحديات الكبيرة أمام التحول الوطني تحويل المجتمع السعودي الإستهلاكي إلى مجتمع عملي منتج، وذلك التحول يجب أن يسبقه تغيير في النظام التعليمي بالكامل حتى يصبح قادرا على إنتاج شباب يقدّر العمل ويتحمل مسؤليته، ويملكون المعرفة والخبرة الكافية لدخول سوق العمل.

كما يلزم هذا التحول تطوير نظام العمل والأجور وتوصيف الوظائف، وكل ذلك من الناحية النظرية سهل وممكن جدا، لكن من الناحية العملية الأمر في غاية الصعوبة، لأن المجتمع السعودي تحول من مجتمع منتج إلى مجتمع مستهلك بشكل سريع بسبب الطفرة.

لكن تلك الثقافة الإستهلاكية ترسخت خلال عقود من الحصول على المال من أسهل الطرق، ووظائف بدخول كبيرة دون عمل حقيقي، ونظرة دونية لكثير من المهن والأعمال المهمة لكل اقتصاديات العالم، لذلك فإن الأصعب هو دفع المواطن السعودي للعمل في المهن الحرفية التي يحتاجها المجتمع والمشغولة بنسبة تقارب 100٪ بالعمالة غير السعودية، والتي تستنزف الاقتصاد السعودي بمليارات الدولارات سنويا، وتستهلك الخدمات المجانية والخدمات والسلع المدعومة من الدولة بنسبة تتجاوز 30٪ من حجم إستهلاكها.

والتحول الحقيقي أن يصبح المجتمع بكامله منتجا معتمدا على نفسه في كل شيء، وأن يكون شبابه هم عماد العمالة فيه، بغير هذه النقلة في ثقافة العمل والفكر الإنتاجي فإن التحول الوطني في هذا الجانب سيكون أشبه بتأجير الأرض لمستثمر أجنبي.

أخر العقبات التي تواجه التحول الوطني ليست مقتصرة على السعودية بل تشمل جميع الدول النامية الراغبة في التحول إلى دول صناعية متقدمة، وهذه المشكلة تتمثل في توطين التقنية والإدارة الحديثة، بحيث يصبح الإقتصاد السعودي منتجا للتقنية لا مستهلكا لها فقط.

وتتكون هذه المشكلة من جزئين، داخلي متمثل في التعليم وثقافة العمل والإنتاج التي تحدثنا عنها في التحديات السابقة، وجزء خارجي وهو الأصعب في هذه النقطة بالذات وهو إقناع الشركاء الخارجيين وخصوصا الشركات العملاقة بنقل التقنية والإدارة الحديثة للإقتصاد السعودي عن طريق التدريب والتوظيف والشراكة مع الجامعات والمراكز البحثية والشركات السعودية، وأعتقد أن هذا الجزء من التحول الوطني ليس بالسهل وإن تحقق فلن يكون قريبا.

 

 

 

الندوات و الدورات القادمة

م. وليد أبو الدهب
م. وليد أبو الدهب

تقنيات البلوكتشين والعقود الذكية المتطورة

  • الاربعاء 24 أغسطس 08:30 م
  • 120 دقيقة
سجل اﻵن

مجانا عبر الانترنت

م. وليد أبو الدهب
م. وليد أبو الدهب

إحتراف التداول في الأسواق المالية، والتعامل مع المخاطرة

  • الثلاثاء 30 أغسطس 08:30 م
  • 120 دقيقة
سجل اﻵن

مجانا عبر الانترنت

أ. حبيب عقيقي
أ. حبيب عقيقي

كيفية الدمج بين مختلف المؤشرات الفنية

  • الاربعاء 31 أغسطس 08:30 م
  • 120 دقيقة
سجل اﻵن

مجانا عبر الانترنت

large image