تسعير صكوك أرامكو

من المتعارف عليه أن الجهات المصدرة للسندات والصكوك تقدم كرماً تسعيرياً للمستثمرين، خصوصاً عندما تكون أسواق الدَين في مثل تلك البلدان غير متطورة بالدرجة الكافية. وأسواق الدَين المحلي لدينا لا تزال في مرحلة مبكرة من التطور، وينبغي القيام بالكثير للنهوض بها وجعلها في مستوى الأسواق المتقدمة. بحسب الأنباء المتواترة، فإن أرامكو تسوق صكوك السبع السنوات (المقومة بالريال) بـ 25 نقطة أساس فوق معدل السايبور.

بشكل عام، أرى أن التسعير الحالي أكثر من رائع للمستثمرين، ولكن في الوقت نفسه، باعتقادي أنه كان باستطاعة أرامكو أن تحصل على تسعير أفضل من هذه المستويات الحالية. ومن وجهة نظري المتواضعة فقد تركت أرامكو ما لا يقل عن 10 إلى 5 نقاط أساس على الطاولة للمستثمرين (ونقاط الأساس هذه تترجم بملايين الريالات).

مع العلم أن هناك رأياً مختلفاً حول اختيار الربح المتغير مع صكوك السبع السنوات. فمن وجهة نظري أن أرامكو يمكن لها أن تستعين بمؤشر قياس خاص بالربح الثابت (وهذا الخيار يمكن أن يوفر على خزينتها الكثير). نحن ندرك أن أرامكو قد ترى أن 10 نقاط أساسية قد تكون بسيطة (لشركة ينتظر أن تقدر قيمتها بـ 2 ترليون دولار)، خصوصاً إذا عرفنا أن البنوك الإسلامية من المشترين لتلك الأوراق المالية (زيتنا في دقيقنا). إذا افترضنا أن أرامكو قد تعمدت تقديم كرم تسعيري للبنوك السعودية (التي تشترك الحكومة في ملكيتها)، فقد تتماشى مع إستراتيجية اكتتاب المواطنين بأسهم أرامكو بخصم مقارنة مع قيمتها الحقيقية.

وبات واضحاً أن إصدار أرامكو يعد مرتفعاً جداً مقارنة مع آخر تسعير للسندات ذات الفائدة المتغيرة التي أصدرتها الحكومة. فتلك السندات ذات أجل 7 سنوات تم تسعيرها ما بين 10 إلى 15 نقطة أساسية تحت السايبور (لثلاثة أشهر).

وبما أن أسواق الدين لدينا في طور التطور، فإنه من الضرورة بمكان نشر ثقافة تسعير السندات والصكوك، وذلك بغرض نشر ثقافة التسعير العادل، وتجنب انتشار أسلوب ترك الأموال على الطاولة للمستثمرين (والذي فيه استنزاف غير مبرر لخزائن الدول والشركات). لاحظ أن إصدارات الدين لدينا لا يوجد فيه بناء أوامر لكي نحدد فيه حجم الطلبات.. فمن البديهي لو كان ذلك موجوداً أن يخلق شفافية في التسعير. ويساعد أرامكو على الحصول على تسعير تنافسي.

الربح المتغير أو الثابت

المتتبع لإصدارات الدين السعودية يلاحظ أنها تميل نحو تسعير أوراقها المالية بالفائدة المتحركة.. وعند مقارنة ذلك بأسواق الدَين المُتقدمة، نجد أن الكفة تميل نحو الفائدة الثابتة. صحيح أنه لا توجد إحصاءات دقيقة عن إجمالي إصدارات الدَين بالمملكة، لكن لن أبالغ إذا قلت إن 95 % من إصدارات الدَين (الخاص بالشركات) لدينا قائم على أدوات دين بفائدة متحركة ( Floating-rate debt) (مع السندات) وبعائد ذي ربح متحرك (مع الصكوك).

هناك من يرى أن هذا مضر بالتسعير في منظومة أسواق الدين لدى إحدى دول مجموعة العشرين.. وهذا الواقع مستمر لسنوات طويلة لدرجة أن الاستثناء أصبح العرف لدينا.. بل امتد هذا الاستثناء نحو القروض التي أصبحت تُسعر بفائدة متحركة (يقول جريق هارت عندما كان مسؤولاً عن قطاع الفائدة للشركات بشمال أمريكا لدى بنك أوف أمريكا: «على الشركات أن تكون نسبة ديونها المسعرة بفائدة ثابتة ما بين 50 إلى 80 %».

إذا تم تسعير أدوات الدين بفائدة ثابتة فهذا يعني أن المستثمر يعرف حجم الفوائد التي سيستلمها خلال فترة معينة.. تميل الجهات المصدرة نحو الفائدة الثابتة من أجل إغلاق (lock in) نسبة العائد الثابت خلال الأوقات التي تكون فيها أسعار الفائدة منخفضة (وبذلك توفر الملايين في حالة ارتفاع أسعار الفائدة بعد إغلاق إصدارها). ولكن أحد أهم العوامل التي تسهل عملية التسعير هذه هي وجود مؤشر قياسي (Benchmark) يسترشد به (وذلك قبل وضع العائد (spread)). وهذا المؤشر كان مفقوداً بأسواق الدين السعودية (لسنوات طويلة) قبل أن يعاود الظهور أخيراً (مع إصدارات ساما في 2015). وفي حالة صكوك أرامكو فيمكن الاسترشاد بالآجال المتفاوتة لأسعار الخزانة الأمريكية. أما أدوات الدين المسعرة بفائدة متحركة فإنه يعاد تسعيرها (كل 3 أو 6 أشهر) بحسب بمؤشر القياس المستخدم. فعالمياً يتم استخدام الليبور (وفي السعودية نستخدم السايبور). ولذلك يسهل على البنوك تسعير قروض الأفراد والشركات وأدوات الدين باستخدام مؤشر القياس السايبور (بسبب توفر بياناته اليومية). والسايبور هو سعر الفائدة المعروض بين البنوك السعودية.

المرجعية

قد يتساءل البعض ويقول: ما المرجعية التسعيرية التي تم الاسترشاد بها والتي نجمت عن تحفظي حول تسعير صكوك أرامكو؟ يوجد لدينا قرض «ائتمان دوار» (revolving credit facility) (لأرامكو) في مارس 2015 يمكن الاسترشاد به.

أجل (tenor) الخمس سنوات (بقيمة 7.5 مليارات ريال) تم تسعيره، في حينه، (بحسب جلوبال كابيتال) بـ 11 نقطة أساسية فوق السايبور. دعونا كذلك نأخذ الاعتبارات التالية:

1) إن العائد (spread) عالمياً على أدوات الدين (ذات الفائدة المتغيرة) بدأ ينخفض بسبب توقع المستثمرين ارتفاع أسعار الفائدة في المستقبل القريب (والتي تنطبق في حالتنا على السايبور).

2) سعر السايبور الآن ليس كما كان قبل سنتين (الآن يصل إلى 1.75 %، وفي نهاية الربع الأول من 2015 (وقت قرض أرامكو) وصل إلى 0.81 %) يعني أن الفرق بين السايبور الآن وقبل سنتين يصل إلى 0.94 %.

نقلا عن جريدة الجزيرة

الندوات و الدورات القادمة
large image