بعد اللقاح ، ما التالي بالنسبة للعملات المرتبطة بالسلع؟

  • لقد كان عام 2020  عامًا شديد التقلب بالنسبة للدولارات المرتبطة بالسلع سواء للدولار الكندي والأسترالي والنيوزيلندي حيث تسبب وباء فيروس كورونا في إحداث فوضى في التجارة الدولية وأسعار السلع. وفي الوقت الذي تحرز فيه الدول حول العالم تقدمًا نحو التعافي من الأزمة نلاحظ أن أستراليا ونيوزيلندا على وشك التعافي بشكل أسرع من بقية العالم. أما بالنسبة لكندا فالوضع الحالي يعد أقل أداءً بسبب اعتمادها الشديد على الولايات المتحدة وصادرات النفط. لكن بشكل عام، تتمتع العملات الثلاث بأساسيات متشابهة تدفعها إلى الارتفاع، على الرغم من أن مساراتها قد تتباين إلى حدٍ ما خلال العام المقبل.

 

  • بعد أن بدأ العام بالفعل في الاتجاه الهابط بفعل الحرب التجارية، تأثر الدولار الأسترالي والنيوزيلندي والكندي سلبيًا في ذروة اضطراب السوق من فيروس كورونا في مارس. لكن منذ ذلك الحين، تمكن كل منهم بالاسقرار و من ثم الارتفاع إلى أعلى مستوياته مقابل الدولار الأمريكي، حيث ارتفع الدولار الاسترالي بحوالي 6٪ في العام حتى تاريخه مقابل الدولار الأمريكي، وارتفع الدولار النيوزيلندي بنسبة 5٪ تقريبًا، وتأخر الدولار الكندي بعيدًا بعض الشيء، حيث اكتسب ما يزيد قليلاً عن 1٪.

 

  • اللافت للنظر في مسيرة أسعار هذه العملات أنها تشكلت من خلال ثلاث مراحل. أتت المرحلة الأولى في أواخر مارس عن طريق الاستجابة المالية والنقدية المنسقة على مستوى العالم من قبل الحكومات و البنوك المركزية بضخ أموال هائلة في السوق لدعم الاقتصاد العالمي من الانهيار. المرحلة الثانية بدأت عقب التخفيف العالمي لقيود الإغلاق في أوائل يونيو معطيًا الآمال في الانتعاش على شكل حرف V. المرحلة الأخيرة هي اكتشاف و توزيع اللقاح في تشرين الثاني (نوفمبر) الذي سلط الضوء على آمال بداية نهاية الجائحة.

 

  • ومع ذلك، فإن معظم الأخبار الإيجابية حول اللقاح بالإضافة إلى التوقعات الخاصة بالحوافز المالية والنقدية الإضافية قد تم تسعيرها بشكل أو بآخر في الوقت الحالي. إذًا إلى أي مدى يمكن أن يستمر ارتفاع اسعار هذه العملات؟

 

  • بالنسبة للدولار الأسترالي، هناك الكثير ما قد يدفع العملة إلى الارتفاع بعيدا عن الذروة الحالية كون أن أستراليا تتعامل بكثافة مع آسيا تجاريًا، حيث تتسارع وتيرة التعافي في هذه المناطق و بشكل أقل تأثرًا بحالات الفيروس مقارنة بأوروبا وأمريكا، بعد أن سيطرت على الموجة الثانية بشكل فعال في وقت مبكر، حيث أصبحت أستراليا الآن قادرة على تخفيف العديد من قيودها.

 

  • علاوة على ذلك، فإن أسعار المعادن والخامات، مثل أسعار خام الحديد والفحم والنحاس، آخذة في الارتفاع، مما يعزز معدلات التبادل التجاري في البلاد بحيث تشكل هذه الموارد الجزء الأكبر من صادرات أستراليا، والتي، بالمناسبة، موجهة في المقام الأول إلى آسيا.

 

  • إضافة إلى ذلك، قد تتسبب التوترات بين أستراليا والصين في الحد من ارتفاع الدولار الأسترالي. ومع ذلك، حتى مع رحيل ترامب ، فإن العلاقات التجارية ليست خالية من المخاطر. فمن الواضح توتر العلاقات بين هذين البلدين بشكل كبير للغاية في الأشهر الأخيرة لدرجة أن الصين فرضت رسومًا جمركية ضخمة على مجموعة من السلع الاسترالية. لكن في الوقت الحالي امتنعت الصين عن فرض رسوم على الواردات والتي تعد ضرورية لصناعاتها المحلية، وبالتالي كان التأثير الاقتصادي على أستراليا ضئيلًا. لكن التوترات قد تتصاعد أكثر في عام 2021 إذا قرر الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن تشكيل تحالف مناهض للصين مع أستراليا.

 

  • لكن التهديد الأكبر للاتجاه الصعودي للدولار الأسترالي هو قرارت البنك الاحتياطي الأسترالي. ففي اجتماعه الأخير في نوفمبر، حيث مدد البنك الاحتياطي الأسترالي برنامج التسهيل الكمي (QE) من خلال تخصيص 100 مليار دولار أسترالي لاستهداف السندات الحكومية لمدة 5 إلى 10 سنوات على وجه التحديد، بعد أن كان يستهدف في السابق سندات مدتها 3 سنوات فقط. ويرى الكثيرون أن هذه الخطوة تعد تدخل غير مباشر في العملة بحيث يبدو أن البنك الاحتياطي الأسترالي يضع حدًا غير رسمي لعائد السندات لأجل 10 سنوات عند حوالي 1٪ وهذا قد يشكل تحديًا  لارتفاع الدولار الأسترالي في المستقبل.

 

  • أما بالنسبة للدولار النيوزيلندي فقد قام البنك الاحتياطي النيوزيلندي بعدم التوجه لتسعير معدلات سلبية  في اجتماعه الأخير، بحيث تراجع البنك الاحتياطي النيوزيلندي عن توقعاته الأكثر تشاؤمًا. ومثل أسترالي ، تمتلك نيوزيلندا أحد أفضل السجلات في تعاملها مع تفشي فيروس كورونا، وعلى الرغم من الإغلاق الثاني، فإن التعافي الاقتصادي فيها الآن يعد أكثر صلابة. مما دفع البنك الاحتياطي النيوزيلندي إلى مراجعة توقعاته للنمو للعام المقبل.

 

  • الأمر الآخر الذي منع من فرض معدلات السلبية الشهر الماضي هو عندما أثار وزير المالية النيوزيلندي احتمال إضافة أسعار المنازل إلى تفويض البنك الاحتياطي النيوزيلندي لمنع الفقاعات العقارية. وبالنظر إلى الازدهار الحالي في سوق الإسكان، فإن مثل هذا القرار سيقضي على أي فرصة لتقديم معدلات سلبية في المستقبل. لكن هل سيسمح البنك الاحتياطي النيوزيلندي الدولار النيوزلندي بالمزيد من الارتفاعات؟

 

  • في هذا العام تمكن الدولار النيوزيلندي الارتفاع بنسبة 6٪ في نوفمبر وحده على خلفية تغير توقعات معدل الفائدة ، مع تحسن النظرة العامة سريعًا والتفاؤل بشأن اللقاح الذي عزز العملة. وبالنظر إلى عام 2021، فإن أحد المخاطر المحتملة التي يجب مراعاتها هو احتمال أن يتم طرح اللقاحات بشكل أبطأ مما كان متوقعًا و الذي قد يؤخر نيوزيلندا على رفع قيود السفر، وبالتالي، تأخر فتح الاقتصاد بالكامل.

 

  • الخطر الآخر هو أن البنك الاحتياطي النيوزيلندي قد لا يتسامح مع ارتفاع حاد في سعر الصرف لفترة أطول. على الرغم من أن صانعي القرارات لم يبدوا قلقًا بشكل خاص بعد بشأن صعود الدولار النيوزيلندي.

 

  • ولكن أحد أهم الأسباب في ارتفاع هذه العملات هو ضعف الدولار الأمريكي, لذا هل يمكن للدولار الأمريكي أن يعود للارتفاع للحد من ارتفاع هذه العملات؟

 

  • على الرغم من قوة العوامل الأساسية لكل دولة في دعم الاتجاه الصعودي لعملتها، لكن هناك  بُعد آخر يجب مراعاته في عالم أسواق العملات الاجنبية وهو النظرة المستقبلية للدولار الأمريكي. ليس من قبيل المصادفة أن الدولار الاسترالي والدولار النيوزيلندي و حتى الدولار الكندي يرتفعون في وقت واحد إلى قمم تاريخية و ذلك نتيجة أن الدولار الأمريكي في تراجع كبيرفي الاّونة الأخيرة.

 

  • من المرجح أن تضعف العملة الأمريكية أكثر على مدار العام المقبل، فبغض النظر عن قيام المتداولين بالتخلي عن مراكز الملاذ الآمن لديهم وشراء الأصول ذات المخاطر العالية وسط الخلفية الاقتصادية المشرقة، فإن العوائد الحقيقية لسندات الخزانة الأمريكية تنخفض وتتجه لمزيد من الانخفاض. ولم ينخفض ​​التضخم في الولايات المتحدة بشكل كبير كما حدث في بعض البلدان الأخرى من عمليات الإغلاق، ومع اعتماد الاحتياطي الفيدرالي مؤخرًا نظام استهداف تضخم أكثر مرونة، فإن التوقعات الخاصة بالتضخم في المستقبل تزداد أيضًا.

 

  • إذا استمرت العوائد الحقيقية في التعرض للضغط ، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن للدولار أن يعكس مساره في أي وقت قريب  على الرغم من أن الكثير سيعتمد على ما يشير إليه البنك الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعه القادم في 15-16 ديسمبر ، حيث من المحتمل أن يقدم توجيهات مستقبلية محدثة.
الندوات و الدورات القادمة
large image