دروس من شهر مارس 2020

يؤمن كثير من المتداولين بنظرية الأزمات تصنع الثروات، لكن قليل بل نادر منهم من يحول هذه النظرية ليجعلها واقعا ملموسا يطبقه من خلال تداولاته واستثماراته أثناء هبوب عواصف أي أزمة.


هبطت الأسواق العالمية والمحلية في آذار (مارس) من العام المنصرم، بشكل كبير، متأثرة بموجة الإغلاقات والحظر التي تسببت فيها جائحة كورونا، حيث توقفت خطوط الإنتاج لكبرى المصانع والشركات حول العالم بمجالاتها المختلفة، ما أدى إلى ضعف الطلب عليها، وبالتالي توقف الحركة الصناعية والإنتاجية، وهبوط أسعار النفط بسبب تراجع الطلب وتخمة المعروض، فانهارت أسواق الأسهم مصطحبة معها أسواق السلع في رحلة كانت شديدة الوعورة خلال فترة قصيرة لم يتوقعها أكثر المتشائمين.


هبط "داو جونز" حينها نحو 40 في المائة، بينما هبط "إس آند بي 500" نحو 35 في المائة، فيما هبط المؤشر العام للسوق السعودية 30 في المائة، أما النفط فاختار أن يكون كبش الفداء، حيث انهار سعر البرميل لأكثر من 75 في المائة حتى وصل بعض العقود الآجلة في فترة لاحقة إلى السالب بسبب تخمة المعروض حتى وقع سعر البرميل بين مطرقة المنتجين التي كانت تضخ بلا هوادة وسندان المستوردين الذين لم يتوقعوا أن تهبط أسعار النفط لمستويات أشبه ما تكون بأحلام اليقظة حيث لا يجدون مكانا لشرائه وتخزينه.


الحقيقة: إن هذه الأزمة بغض النظر عن نوعيتها، فهي أزمة وإن كانت قاسية ومختلفة عما سبقها، إلا أنها في نهاية المطاف ستمر كما مر غيرها، فقد تعددت الأسباب والنتيجة واحدة - إن الأزمات تصنع الثروات.


فبسبب إغلاقات المصانع والشركات توقفت خطوط الإنتاج فهبطت أسعار كبرى الشركات إلى قيعان سحيقة، وعلى سبيل المثال لا الحصر: بدءا من شركات الطيران، ومرورا بقطاع السفر والسياحة الذي كان تأثير الأزمة عليه مباشرا ومؤقتا في الوقت نفسه، وقطاع النفط كذلك، نجد اليوم وبعد مرور عام كامل ومع عودة الحياة تدريجيا لكثير من تلك القطاعات والشركات الصناعية والخدمية العملاقة تضاعفت أسعارها عدة مرات.


فالنفط الذي كان أشد القطاعات تأثرا بالأزمة وتراجعا تضاعف سعره لأكثر من 300 في المائة في أقل من عام، ومن الشركات العملاقة التي تضاعفت أسعارها - على سبيل المثال لا الحصر - شركة بوينج التي وصلت إلى 90 دولارا ذلك الوقت، واليوم تتداول فوق 200 في المائة، ولم تكن شركة سابك عن المشهد ببعيدة، حيث تتداول فوق 80 في المائة من قاعها في آذار (مارس) من العام الماضي.
لم تكن الدروس التي تلقاها العالم خلال الأزمة محصورة على مستوى الأفراد فحسب، بل حتى الحكومات تعرضت لأزمات تختلف درجتها بين دولة وأخرى.


لكن ستبقى هذه الدروس قصة تحكى، حيث لا يزال العالم يستنتج كثيرا من العبر منها على المستوى الفردي والمجتمعي والدولي.
وفيما يتعلق بأسواق المال، فعند حدوث أزمة ما يقف كثير من المستثمرين في حيرة وقلق وربما خوف وهلع غير مدركين الفرص التي تمر أمام أعينهم، بينما تقف القلة القليلة باحثة عنها لتصطاد المناسب والمغري منها بصنارة المعرفة والحكمة والاتزان عندما تسعر الأسواق بعض الشركات والسلع بأقل من قيمتها العادلة بسبب أزمة عابرة وموجة لن تطول لتحتضن هذه الفرص برحابة صدر قبل أن ينقشع غبارها.


والسؤال لكل مستثمر: هل تعلمت من الدرس؟

نقلا عن صحيفة الاقتصادية

الندوات و الدورات القادمة
large image