الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي: استراتيجية جديدة في عصر كورونا

تضع الاستراتيجية الجديدة  الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وزنا أكبر على تعزيز سوق العمل وأقل أهمية للمخاوف بشأن التضخم المرتفع للغاية. وصف العمالة الكاملة بأنها هدف واسع النطاق وشامل، بالإضافة إلي اتخاذ قرارات تنفيذية للوصول إلي معدلات التوظيف الكامل. وكانت السياسة النقدية السابقة للبنك  تتعامل مع انخفاض البطالة إلى مستويات منخفضة للغاية كإشارة إنذار مبكر للتضخم غير المرغوب فيه.

وأشار جيروم باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في خطابه خلال منتدي جاكسون هول إلى أن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سيواصل مكافحة البطالة المرتفعة للغاية، لكنها لن تدق ناقوس الخطر بشأن انخفاض البطالة بسرعة كبيرة أو بعيدة للغاية، كما حدث في الماضي. وتتضمن الاستراتيجية الجديدة أيضا شكلا فضفاضا لمتوسط استهداف التضخم، والذي بموجبه يهدف الاحتياطي الفيدرالي إلى تعويض الفترات التي يكون فيها التضخم منخفضا للغاية من خلال السماح بفترات يكون فيها التضخم مرتفعا للغاية فبمرور الوقت سيبلغ معدل التضخم 2% أو أكثر قليلا.

ويذكر أنه قبل أن يضرب جائحة فيروس كوفيد 19 العالم وأمريكا، كان قد انخفض معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياته منذ 50 عاما تقريبا، ولم يكن هناك أي مؤشر على ارتفاع التضخم علي الرغم من وجود علاقة عكسية بين البطالة و التضخم مع الأخد في الاعتبار هذه الفرضية ترك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مجالا لإبقاء السياسة فضفاضة حتى مع زيادة العمالة. و فيما يلي يرصد الرسم البياني التالي معدل البطالة والتضخم في الولايات المتحدة في الفترة من أكتوبر 2019 وحتي الأن. 


 

كان محور إطار العمل السابق للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي تم تبنيه في عام 2012، هو هدف التضخم الرسمي بنسبة 2% - والذي يعد منخفضا ولكن بدرجة تكفي لضمان استمرار نمو الاقتصاد الأمريكي و تجنب الوقوع في فترات الانكماش  نظرا لأن التضخم كان أقل من 2% لسنوات، فإن الاستراتيجية تشير إلى أن صانعي السياسة الفيدراليين لن يفكروا حتى في رفع أسعار الفائدة حتى يتجاوز التضخم هدفهم لفترة من الزمن. ففي السنوات التي تلت تلك السياسة، فعل الاقتصاد شيئا لم يتوقعه صانعو السياسة في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي و هو أنه على الرغم من مرور سنوات عديدة وأسعار الفائدة منخفضة جيدا و أقرب للصفر، فقد كان معدلات شراء السندات الأمريكية مرتفع ولم يشهد انخفاضا يذكر! 

لكي تنجح الاستراتيجية النقدية الجديدة المتبعة من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي فيتعين على الأسر والشركات أن تعتقد أن صانعي السياسة النقدية الجديدة قد تخلوا عن أولوية محاربة التضخم ويدعموا دورا جديدا للحد من معدلات البطالة المرتفعة والحفاظ على سوق عمل قوي و والبدء فعليا في التصرف من هذا المنطلق داخل الأسواق.

الفكرة هي أنه إذا كانت الأسر والشركات مقتنعة بأن التضخم يتجه نحو الأعلى، مما يؤدي إلى انخفاض في قوتهم الشرائية في المستقبل، فسوف يتخذون خطوات لاقتراض أموالهم وإنفاقها واستثمارها في الوقت الحاضر. ومن المفترض أن يساعد هذا الإنفاق المبكر علي الحد من انكماش الاقتصاد الأمريكي وخلق فرص عمل جديدة. وفي نفس الوقت الإقبال علي الإنفاق في الوقت الحالي سوف يرفع من معدلات الطلب في جميع الأسواق، مما يخرج الاقتصاد بسرعة أكبر من حالة الركود. في غضون ذلك، يمكن أن يساعد تركيز الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الجديد على خفض معدل البطالة وإعادة شريحة أكبر من العمال الذين فقدوا عملهم في الأزمة الأخيرة إلى سوق العمل.

علي الجانب الأخر، فإن معدلات التضخم المنخفضة لها أيضا الكثير من المميزات علي الاقتصاد الأمريكي. ويمكن فهم هذا من خلال سعر الفائدة الذي يحدده البنك المركزي،  فإن الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة لفترة طويلة يساعد علي ارتفاع الأسهم الأمريكية. وربما يعود هذا النفع على الطبقة الثرية من المجتمع الأمريكي وحدها و لا يصل هذا النفع للأكثر احتياجا له من الشعب.

وبناءا علي ما سبق سرده ووجود علاقه طردية بين التضخم والبطالة فإن السياسة النقدية الجديدة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والتي بدورها قد تعني ارتفاع أسعار المواد الغذائية والضروريات الأخرى علي المدي القصير لكنه شيء لابد من أن يحدث لمنع التضخم من الانخفاض إلى مستويات سلبية قد تدمر الاقتصاد الأمريكي علي المدى البعيد وأيضا من أجل لتحقيق سوق عمل أقوى والحد من معدلات البطالة التي وصلت إلي ذروتها في أبريل من العام الحالي بسبب تفشيء وباء فيروس كورونا.

الندوات و الدورات القادمة
large image