هل تكترث البنوك المركزية لما يحدث في الأسواق المالية؟

كل يغني على ليلاه، فالمضارب والمستثمر في الأسواق المالية ينظر إلى ما يحدث حاليا من هبوط ماراثوني في مؤشرات الأسهم عالميا على أنه كارثة ونجد الكثير يطالبون بتدخل الدولة أو البنوك المركزية وصناع القرار لانقاذ البورصات من الانهيار وغير ذلك من المطالبات التي يتعلق بها المستثمرون الذين يبحثون دوما عن شماعة لتعليق خسائرهم عليها ولكن لنقف عند الواقع الحقيقي هو مدى أهمية الأسواق المالية واداؤها عند صناع القرار خاصة وأن الكثير من متابعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينظرون إلى الارتفاعات في أسواق الأسهم كانت ميزة له وانخفاضاتها الأخيرة تشكل تحديا له ولكن..

البنوك المركزية والحكومات لا تأخذ تحركات أسواق الأسهم ومؤشراتها على أنها مهمة يجب الحفاظ عليها وانما هي مهمة الهيئات الرقابية الخاصة بأسواق الأسهم فيما تنظر اليها البنوك المركزية كأمر فرعي تتدخل به حين يصبح له أثر مباشر على النشاط الاقتصادي في الدولة.

ولتوضيح الأمر بشكل أكبر، فإن عملية الانتاج الفعلية لا تتم في البورصات وانما تتم من خلال عناصر الانتاج المشاركة في الاسواق والتي تضم اربعة عناصر رئيسية هي الأرض والعمل وراس المال والتنظيم ودور أسواق الأسهم هنا هو تسهيل انتقال رأس المال من القطاع العائلي إلى قطاع الشركات ليتم استخدامه في عملية الانتاج. 

وهنا يجب التفريق بين الاستثمار الحقيقي والاستثمار غير الحقيقي، حيث أن انتقال هذه الأموال يكون من خلال الاكتتابات الأولية والتي يتم فيها ضخ رأس المال في عملية الانتاج المباشرة وأما فيما يتعلق بالتغير في السعر فسنجد أنها في النهاية لعبة صفرية لا تؤثر في حجم الانتاج حيث أن ما يخسره شخص يربحه آخر ولا يدخل بشكل مباشر في عملية الانتاج.

بالتالي فإن انهيار أسواق الأسهم لا يؤثر بشكل مباشر على الانتاج ولا على النمو الاقتصادي ولا على التضخم ولا على التشغيل وبالتالي فإن نظرة البعض لضرورة تحرك صناع القرار لانقاذ أسواق الأسهم من الانهيار هو أمر غير منطقي ويوجد لدى صناع القرار والبنوك المركزية أمورا أهم لمعالجتها وصنع السياسات الخاصة بها بدلا من النظر لسياسات انقاذ لأسواق الأسهم.

ومرة أخرى ولكن... 

في ظل اهمية أسواق الأسهم والطرح الأولي في توفير دور الوسيط والناقل لرؤوس الأموال من العائلة إلى الشركات لتستخدم في الانتاج، نجد صناع القرار يحاولون دوما ابقاء الثقة بأسواق المال حتى لا تتجه الأموال لدى القطاع العائلي إلى اتجاهات أخرى وأن تبقى موجهة نحو الاستثمار. مثال على ذلك توجه الأموال إلى تخزينها على شكل ذهب بدلا من استثمارها في شركات للانتاج.

وهنا نجد أن صناع القرار يبحثون عن سياسات تعزز الثقة بأسواق الأسهم أكثر من نظرتهم لابقاء اسواق الأسهم في حالة ارتفاع ولذلك يكون التدخل فقط في حالات الانهيارات القوية التي يمكن أن تؤثر على ثقة المستثمرين.

والأهم لدى البنوك المركزية فعليا هو توجيه سياساتهم للنمو الحقيقي للاقتصاد ومحاربة التضخم وزيادة التشغيل واستقرار الدولة اقتصاديا وهو أمر بعيد جدا عن تحرك الأسواق المالية ارتفاعا وهبوطا.

لذلك، وحتى لا تنتظر تدخلات مباشرة وعمليات انقاذ من قبل صناع القرار للخاسرين في أسواق الأسهم، عليك معرفة أم مؤشرات الأسهم لا تعني الكثير لصناع القرار بقدر ما هي مؤشر على النمو الاقتصادي في حالات معينة وثقة المستثمرين في حالات أخرى ولكنها لا تؤثر بشكل مباشر في حجم اقتصاد الدولة. 

الندوات و الدورات القادمة
large image