الحرب التجارية ... الاتفاق على بعد أميال

فى 30 يناير الجارى يصل وفد صينى رفيع المستوى الى الولايات المتحدة الامريكية لبدء الجولة الثانية من مفاوضات الهدنة التجارية التى بدأت اول ديسمبر 2018  تنتهى اول مارس القادم  ... الجولة الثانية التى تستمر يومين يترأسها نائب رئيس الوزراء الصينى ليو هى ، و على الجانب الاخر الممثل التجارى الامريكى روبرت لايتهايزر

فى الثلث الاول من يناير عقدت الجولة الاولى من المفاوضات فى الصين على مستوى نواب الوزراء و لم يخرج عنها اى بيان ، فى الوقت الذى غرد فيه ترامب اكثر من مرة بسعادة عن تحقيق تقدم فعلى 

الخميس الماضى خرج ويلبور روس وزير التجارة الامريكى ليبخر جزء من فقاعة الامال ذات التسعين يوم لأحراز أتفاق تجارى حقيقى بين الندين الصينى و الامريكى حيث قال ... " لقد قمنا بالكثير من العمل التمهيدي لكننا على بعد أميال وأميال من إيجاد حل ! " 
و من معطيات الأمور يبدو ان ويلبور روس أصدق من رئيسه ترامب المروج لأنفراجة حقيقية فى الحرب التجارية التى منحتها الهدنة فرصة قصيرة لأتقاط الانفاس ، فلو رغبت الصين فى رفع الراية البيضاء فى تلك الحرب لقامت بذلك قبل الآن ، بأجراء التعديلات الهيكلية المطلوبة منها و العمل الجدى على تخفيض العجز التجارى بينها و بين الولايات المتحدة الذى بلغ اكثر من 293 مليار $ حتى نوفمبر 2018 لصالح الصين ... و كذلك التنازل التدريجى عن البرنامج المهم "صنع فى الصين 2025 " بقيمة استثمارية هائلة تصل الى 300 مليار $  و الذى يمنحها تفوق صناعى و تكنولوجى كبيرين

 

  • رغم كل ذلك قامت الصين فى شهرين من الهدنة بالكثير من الخطوات الظاهرية التى يبدو انها لم ترضى الطرف الامريكى و منها ... 


اولا ... الصين تعلن عن أستئناف شراء 1.7 مليون طن من فول الصويا من الولايات المتحدة و تصادق على استيراد الارز الامريكى ... بالأضافة إلى تعليق الرسوم الجمركية الاضافية على واردات السيارات الامريكية من بدايه يناير حتى نهاية مارس 2019 لتعود الى 15 % فقط بعد 40 %  ، و بذلك اضافت بكين شهرا اخر كبرهان لحسن النية فى المفاوضات التجارية ... و السماح لشركة تسلا الامريكية بأقامة اول مصنع لها فى الصين بتكلفة تصل الى 5 مليار $ و ذلك بملكية كاملة لتسلا دون شراكة محلية صينية او تقاسم فى الارباح كما هو معمول به فى الصين ...
 
ثانيا ... المحكمة العليا فى الصين تبدأ من 2019 فى أصدار احكام فى قضايا خاصة بحقوق الملكية الفكرية ، و كذلك مناقشة قوانين جديدة لصالح الاستثمار الاجنبى ، و ذلك لمنع سرقة التقنية و براءات الاختراع و العلامات التجارية و حقوق التأليف ، على ان يعدل قانون براءات الاختراع بمضاعفة قيمة التعويض خمسة اضعاف ... يذكر أن ملف الملكية الفكرية من أبرز اتهامات ترامب للصين 

ثالثا ... أتجاه الصين الى خفض وارداتها من النفط الايرانى الى أقل من 339 الف برميل يوميا بعد فرض العقوبات الامريكية على ايران فى نوفمبر 2018 ، هذا على الرغم من حصول الصين على اعفاء امريكى مؤقت حتى الاول من مايو 2019 بأستيراد 380 الف برميل يوميا فقط من نفط ايران 

رابعا ... تقوية الصين لعملتها الوطنية " اليوان " أمام الدولار الامريكى من 6.98 يوان الى 6.74 يوان حاليا مما يحجم من منافسة صارداتها هامشيا الى اسواق العالم ...يذكر أن كسر حاجز السبعة يوان لأعلى امام الدولار الواحد كان يخيف الاسواق فى نوفمبر 2018 

خامسا ... اعلان شركة هواوى الصينية عزمها الانسحاب من الاسواق الاوروبية و الامريكية بسبب أستمرار اتهامها بأنشطة تجسس لصالح الحكومة المركزية فى الصين ، و تهديد الرئيس ترامب بأصدار أمر تنفيذى يمنع أستخدام معدات هواوى فى انشطة الاتصال الخاصة بالشركات الامريكية  

 

  • أمام كل ما سبق علقت فقط الادارة الامريكية فرض رسوم جمركية جديدة على واردات السلع الصينية حتى انتهاء الهدنة التجارية فى سبيل التوصل لأتفاق تجارى قبل الاول من مارس المقبل ... و على جانب أخر نشطت جدا القذائف الامريكية ضد الاقتصاد الصينى على النحو التالى ...

اولا ... الترويج لتباطؤ كبير لنمو الصين قد يصل الى 4.5 % فى 2020 و تدنى قطاع التصنيع فى البلاد و تراجع واردات الصين من النفط ... و كذلك حصار كبرى شركات الاتصال الصينية على رأسها هواوى فى الاسواق العالمية 

ثانيا ... ملاحقة الصين فى كل مكان حيث تحذير صارم من مستشار الامن القومى الامريكى جون بولتون لتل أبيب مطلع يناير الجارى من نمو نفوذ الاستمارات الصينية داخل إسرائيل و قوله الصريح لهم بأن بكين لا تحترم تعاقدتها مع شركائها التجاريين و تسحق حقوق الملكية الفكرية و تكسب من هذة العلاقة أكثر كثيرا مما تكسبه إسرائيل ... 

ثالثا ... تقرير البنك الدولى بأن الصين باتت الدائن الاكبر للدول الافريقية الفقيرة التى تشهد صراعات داخلية و استشراء للفساد ، و المعتمدة على انتاج المواد الاولية فقط التى تستحوذ عليها الصين فى صورتها الخام مقابل سداد الديون المستحقة لها ... ليعقبها قرار امريكى بتقليص المساعدات للدول الافريقية بأقل من 8.7 مليار $ سنويا 

رابعا ... عودة المغازلة الامريكية لتايوان مما يهدد مبدا الصين الواحدة ... و كذلك أجراء مناورات عسكرية لأول مرة منذ 8 سنوات بين البحرية الامريكية و البحرية الملكية البريطانية فوق بحر الصين الجنوبى المتنازع عليه و الذى تدعى بكين حقها الكامل فيه 

 

  • اخيرا ... يتبقى شهر و تنتهى الهدنة المؤقتة التى يبدو أن دخانها الاسود قيد التحضير للأعلان عن عدم التوصل لأتفاق فعلى يضمن توقف منطقى للحرب التجارية ، أو على اكثر تقدير متفائل سنرى دخان رمادى يحمل أنباء عن حلول جزئية متقطعة ربما لا تنول رضا الاسواق ... لأن الاتفاق الكبير و النهائى مازال فعلا على بعد أميال و أميال .
الندوات و الدورات القادمة
large image