التجربة الصينية وبرامج التحول الوطني

لا يمتلك المرء إلا أن يقف احتراما للشعب الصيني الذي نجح في إحداث أكبر التحولات الاقتصادية في العالم. اقتصاد ضخم يمتلك أدوات النمو والإنتاج الإستثنائي. قصة كفاح تنموية عاشها الصينيون خلال العقدين الماضين؛ تمكن فيها من السيطرة على أسواق العالم والتغلغل فيها؛ والتحكم في مستقبلها؛ حتى أصبحت الدول الصناعية الكبرى في مواجه دائمة معه بسبب حجم الإنتاج المهول الذي تسبب في الإضرار بقطاعاتهم الإنتاجية العاجزة عن المنافسة. نأت الصين بنفسها عن النزاعات والتجاذبات الدولية وإنخرطت بشكل مكثف في الصناعة والإستثمار في البنى التحتية وتطوير القوى البشرية وتقليد الإقتصادات المتقدمة التي ساعدتها من خلال النقل؛ في بناء قطاعات إنتاج متنوعة ومنافسة عالميا.

اعتمدت الصين في بداية ثورتها الصناعية سياسة الإبتعاث لنقل الخبرات والتجارب العالمية الناجحة؛ وبالرغم من حساسيتها تجاه الإقتصادات الحرة والمجتمعات الغربية؛ إلا أنها رأت فيهم المساعد الأول لخطة التحول الكبرى. إنتقت مبتعثيها وفق معايير دقيقة؛ وربطتهم بإستراتيجية تعليمية واضحة المعالم؛ وحملتهم مسؤوليتي التعلم ونقل الخبرات والأفكار بعد عودتهم إلى الداخل للمساهمة في عمليات التطوير.

مجموعات مهمة من أولئك المبتعثين انضموا إلى الشركات الكبرى في بلد الإبتعاث تحت غطاء العمل؛ لضمان الإندماج والحصول على أسرار الصناعة المستهدفة ومن ثم نقلها للصين.

برنامج التحول الاقتصادي التنموي في الصين من أهم التجارب الثرية عالميا؛ وأحسب أننا في أمس الحاجة لاستنساخه وفق قدراتنا الخاصة وبما يسهم في تعزيز فرص نجاح «برنامج التحول الوطني» ورؤية 2030 الأكثر حاجة إلى تجربة نجاح واقعية، يقتبس من فصولها ويلتزم بمعاييرها الخاصة. التقليد والإتباع وضع الصين على بداية طريق التحول والتنمية الصناعية والإنتاجية ثم استمدت قوة دفعها من خبرات أبنائها المكتسبة؛ ما جعلها قادرة على الإبتكار والإبداع والتطوير بجهودها الذاتية.

ما أحوجنا اليوم لتعزيز شراكة المملكة مع الصين، بعد أن أعيتنا تجارب الغرب المتناقضة. التحول نحو الشرق خيارا إستراتيجيا لا يمكن تجاهله؛ أو التقليل من أهميته. العلاقات التجارية المتنامية تسمح بتوثيق الشراكة والإنتقال بها إلى نطاقات متقدمة تمكن المملكة من إستثمارها في عمليات تطوير تحتاج دائما إلى جهود مكثفة وخبرات نوعية ومعايير دقيقة.

استثمار العلاقة التجارية مع الصين يحتاج إلى إستراتيجية واضحة المعالم؛ وبرامج محددة؛ وقيادة تنفيذية قادرة على تحقيق الأهداف وتحمل المسؤوليات الجسام. لم يعد الغرب حليفا كما كان؛ ولم نعد في حاجة إلى حلفاء غير موثوقين؛ يتعاملون معنا وفق معايير مزدوجة وسياسات ظاهرة وأخرى مستترة. قد تكون المرحلة الحالية هي الأنسب للتحول نحو الشرق؛ وتوثيق العلاقة ليس بالصين فحسب؛ بل واليابان والهند أكبر المستوردين للنفط السعودي وأكثر الدول المهتمة بتوثيق علاقاتها التجارية مع المملكة.

زيارة ولي ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان للصين واليابان كشفت حجم العلاقات الإقتصادية التي يمكن استثمارها لتحقيق ذلك الهدف. تركيز الأمير محمد على الجوانب الاقتصادية يعزز الجانب الإستراتيجي الذي نتحدث عنه؛ فالاقتصاد أصبح الموجه الرئيس لبوصلة السياسة.

تحدثت مع أحد خبراء التنمية الصينيين حول تجربة التحول الصينية؛ وسألته عن إمكانية نجاح تعزيز الشراكة الإقتصادية بين البلدين؛ فأشار إلى أهميتها القصوى؛ وأنها تأخرت كثيرا؛ ما دفع الصين لرفع علاقاتها الإستراتيجية مع دول أفريقية وآسيوية أخرى. وأكد على أن الشراكات الاقتصادية إذا لم تبن على رؤية شمولية مدعومة من الحكومة فلن تحقق أهدافها الإستراتيجية؛ وإن نجحت في بعض جوانبها.

ما أرجوه اليوم؛ هو أن يتوسع مجلس الشؤون الإقتصادية والتنمية؛ المعني ببرنامج التحول الوطني؛ ورؤية المملكة 2030 ؛ في خططه الإستراتيجية وأن يربطها بالشراكة الإستراتيجية مع الصين؛ التي أعتقد أنها القادرة على تحقيق أهداف التحول والتنمية ورؤية المملكة 2030.

نقلا عن مقالي في جريدة الجزيرة.

الندوات و الدورات القادمة
large image