أسعار النفط لن تذهب بعيداً

المتفائلون بتحسن أسعار النفط بملامسته حاجز 50 دولار يعلمون جيدا أن تلك الإرتفاعات في الأسعار ناتجة عن أسباب مؤقته ومتى ما زالت تلك الأسباب المؤقته أو خفت حدة تأثيرها فإن السوق سوف يعود للتراجع مرة أخرى لأسباب إقتصادية وسياسية لا زالت قائمة وتؤثر بشكل قوي ومباشر.

والأسباب التي أدت إلى إرتفاع الأسعار حتى وصلت للخمسين دولارا للبرميل بدأت بإضرابات عمال النفط في الكويت لكن سرعان ما عاد الإنتاج في الكويت كما كان بإنتهاء الإضراب، ثم جاء الحريق الهائل الذي ضرب كندا وأخرج ما يقارب من 2 مليون برميل يوميا من السوق ليسرّع من إرتفاع الأسعار.

ولا يتوقع عودة تلك الكمية من الإنتاج للسوق قبل أسابيع بعد إنتهاء الحريق، وهذه الكمية توازى تقريبا الكمية الفائضة في السوق، ولو أن هذا الحريق حدث والسوق في حالة توازن العرض والطلب لسبب إرتفاعا أكبر من هذا بكثير رغم قدرة بعض الدول على تعويض النقص في أمدادات النفط عند حدوثه خلال فترة وجيزة، وأقصد هنا السعودية.

كما أدى تراجع عدد منصات إنتاج النفط في أمريكا لسادس أسبوع على التوالي إلى تراجع الإنتاج الأمريكي بنسبة كبيرة، فقد إنخفض عدد المنصات إلى 605 منصة منتجة وتمثل 37% فقط من المنصات التي كانت تعمل منذ عام تقريبا، أي أن الخفض في عدد المنتصات تجاوز 60%، وتحييد النفط الصخري بهذا الشكل قد يكون الحسنة الوحيدة للخلاف داخل منظمة أوبيك. كما أن المخزون الأمريكي لهذا الأسبوع سجل إنخفاضا كبيرا بلغ 3.41 مليون برميل حسب بيانات إدارة معلومات الطاقة.

ورغم أن الإضطرابات في فنزويلا لم تؤثر بعد على القطاع النفطي في البلاد إلا أن تأثيرها النفسي وصل للسوق وساهم في رفع الأسعار ، خصوصا مع دعوات الإضراب في قطاع النفط التي تشهدها نيجيريا نتيجة لرفع الدعم عن البنزين ورفع أسعاره، والهجمات التي يتعرض له قطاع النفط في نيجيريا وليبيا يلقي بضلاله كذلك على سوق النفط ويدفع الأسعار للإرتفاع.

كل تلك العوامل المؤقتة عملت مجتمعة على رفع أسعار النفط، وربما أن المضاربون إستغلوا تلك الظروف، وأسهموا بمضارباتهم في مزيد من رفع الأسعار، للإستفادة منها لأقصى درجة ممكنة وتحقيق أعلى أرباح قبل عودة الأسعار بضغوط من العوامل الاقتصادية والسياسية القائمة.

فبمجرد إنتهاء مشاكل الحرائق في كندا سوف تعود حصتها في السوق كما هي ما يعني أن الفائض في العرض سيعود بنفس مستواه السابق وهو ما سيؤدي قطعا إلى تراجع الأسعار. أما الإضرابات في نيجيريا فليس من المتوقع أن تؤثر على إنتاجها وإن حدث فلن يستمر ذلك التأثير طويلا، وكذلك الحال في فنزويلا.

تراجع المخزون الأمريكي لم يكن عاملا مؤثرا بقوة في رفع الأسعار لأنه ظل مرتفعا طوال فصل الشتاء الماضي حين كان الطلب الداخلي مرتفعا، ومن المتوقع أن يعود المخزون للإرتفاع مجددا مع قدوم الصيف وإنخفاض الطلب الداخلي، ولعل تراجع المخزون الأمريكي سببه إرتفاع الأسعار وسيعود للإرتفاع بمجرد عودة الإسعار للإنخفاض.

أما أهم عوامل تراجع أسعار النفط خلال الأسابيع القادمة فهي نفس الأسباب التي أدت إلى إنهياره أساسا منذ عام تقريبا، والتي مازالت قائمة كما هي.

الخلافات السياسية بين أهم المنتجين داخل أوبيك حدت من قدرة المنظمة على تفعيل دورها في تنظيم حجم الإنتاج الذي يحتاجة السوق بناء على الطلب، وزاد من تأزم هذه المشكلة الإحتقان السياسي الإقتصادي بين السعودية وروسيا كأكبر منتج للنفط خارج أوبك.

وفشل الجميع في إجتماعين متتاليين على تجميد إنتاج النفط المرتفع أصلا، ومن غير المتوقع أن ينجح الإجتماع الثالث الذي يُدعى له مؤخرا، لأن الظروف السياسية والاقتصادية التي أدت لفشل الإجتماعين السابقين قائمة ولن يحدث الإتفاق ما لم تزول تلك الظروف، كل ذلك جعل العرض يفوق الطلب بما يزيد عن 2 مليون برميل يوميا.

أما ما جعل العرض يفوق الطلب فليس في زيادة الإنتاج فقط، لكن السبب الأهم تراجع الطلب العالمي على النفط بسبب المشاكل الإقتصادية في الصين، ولا زال وضع الاقتصاد الصيني يضغط على الاقتصاد العالمي، والصين كأكبر مستورد للنفط في العالم تضغط على أسعار النفط بتراجع وارداتها منه بنسبة تصل 2%، وبتأثيرها على الاقتصاد العالمي الذي خفّض من طلبه على النفط، خصوصا اقتصادات الهند واليابان ودول جنوب شرق آسيا.

كل العوامل التي تؤثر إيجابا على أسعار النفط لن يكون لها أثر على المدى الطويل ما لم يتحسن الاقتصاد العالمي بتحسن الاقتصاد الصيني وهو ما لا تظهر بوادره حتى الأن، فمؤشرات الاقتصاد الصيني غير مشجعة سواء في قطاع الإنتاج أو القطاع العقاري، وظهرت نتائجه السلبية في تراجع الصادرات والواردات الصينية خلال الشهر الماضي.

لذلك أتوقع أن يبدأ تراجع الأسعار قبل نهاية هذا الأسبوع، لكن الارتفاعات خلال الأسابيع الماضية جعلت كبار المنتجين في أوبك وخارجها يلتقطون أنفاسهم قليلا، وهذا ما سيجعلم يصرون على مواقفهم في عدم تجميد الإنتاج إن حدث إجتماع ثالث.

الندوات و الدورات القادمة
large image