هل سيبقى الذهب الملاذ الآمن في زمن الكورونا

شهدت أسعار الذهب ارتفاعات ملحوظة بعدما لامست الأدنى لهذا الأسبوع حول 1803 دولار للأونصة، إذ تراجع الدولار الأمريكي فيما تلقى المعدن الأصفر الذي يُعتبر ملاذًا آمنا الدعم من احتمالات ضخ المزيد من التحفيز في الاقتصاد العالمي الفترة المقبلة.

لذا يمكننا القول أن السبب الرئيسي وراء ارتفاع الذهب حالة الضعف التي انتابت الدولار الأمريكي خاصة بعدما جاءت بيانات مبيعات التجزئة مخيبة للآمال. وبالرغم من انتعاش الدولار بوجه عام في الآونة الماضية، إلا أنه لا يزال هناك العديد من الضغوطات التي قد تساهم في زيادة الطلب على المعدن الأصفر.

وتراجع الدولار من أعلى مستوى له في أربعة أسابيع خلال تداولات أمس، قبل شهادة المرشحة لمنصب وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين أمام مجلس الشيوخ. ومن المقرر أن تستعرض يلين قضية حزمة الإغاثة التي اقترحها الرئيس المنتخب جو بايدن بقيمة 1.9 تريليون دولار في جلسة تأكيد تعيينها كوزيرة للخزانة ، بحجة أن "أذكى شيء يمكننا فعله هو التصرف بشكل كبير" بحسب ما ورد في فاينانشيال تايمز.

من جهة أخرى، سيراقب المتداولون أي تلميحات منها عن سياسة الولايات المتحدّة تجاه سعر صرف الدولار الأمريكي، حيث أن العديد من المتابعين يعتقدون بأنها ستؤكّد بأن الولايات المتحدّة تترك تحديد أسعار صرف الدولار لقوى الطلب والعرض على الدولار لتحديد أسعار الصرف، ولا تستهدف دولاراً ضعيف كميزة تجارية.

وقالت جانيت يلين في تصريحات معدّة مسبقاً إن الولايات المتحدة تخاطر "بركود أطول وأكثر إيلاما" و "ندوب طويلة الأجل" إذا لم تتحرك بسرعة لضخ المزيد الإنفاق الحكومي في الاقتصاد.

لذلك من المحتمل جداً أن يتم التأكيد على أهمية استخدام خطط تحفيزية كبيرة من الحكومة الأمريكية، وسيراقب المتداولون ما بين السطور في تصريحاتها، ليروا فيما إذا كانت تستهدف خطط تحفيز أكبر من الـ1.9 ترليون دولار التي يسعى لها الرئيس المنتخب جو بايدن.

ويجدر الإشارة إلى أن تأكيد يلين على عدم التدخل في قيمة الدولار الأمريكي ربما سيدعم ارتفاعه الفترة المقبلة قصيرة الأمد، وهو ما قد يتسبب في زيادة الضغوطات المؤّقتة على الذهب. لكن، إن عاد الدولار للانخفاض أكثر، فربما سيكون هنالك فرصة أفضل لارتفاع الذهب.

ومن المقرر أن تأتي تصريحات المرشّحة لرئاسة الخزانة الأمريكية "يلين" في الساعة 3:00 مساءً بتوقيت جرينتش، وقد يكون لها تأثير مباشر على الأسواق المالية، فتوجّهها إلى الإشارة نحو خطط تحفيزية أكبر من 1.9 ترليون دولار، حتى لو كان بشكل غير مباشر، قد يكون داعماً للأسواق المالية الأمريكية بشكل واضح، وقد يكون ضاغطاً على الدولار.

ولكن يجب الوضع بعين الاعتبار أن هناك عدة عوامل قد تدعم ارتفاع الذهب أيضًا والمتمثلة في خطط التحفيز الأمريكية وخاصة بعد تسلم جو بايدن ، إلى جانب سياسة الفدرالي الأمريكي مع بقاء أسعار الفائدة المتدنية كلها أسباب داعمة للذهب

ومن ناحية أخرى بلغ عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا عالميا ما يقرب من 95 مليون حالة مع وجود العديد من البلدان التي لا تزال تخضع لقيود إغلاق مشددة، حيث يلجأ المستثمرون للذهب باعتباره أصل ذات قيمة للحفاظ على استثماراتهم في حالة وجود أزمات ومصائب اقتصادية أو طبية. وهذا ما حدث بالفعل منذ بداية الأسبوع الجاري

رغم أن الدول العظمى حالياً تعاني من انخفاض مستويات التضخم، وهنالك مخاوف من بقاء التضخم منخفض بفعل ضعف الطلب الاستهلاكي، لكني شخصياً أعتقد بأن التضخم مهدد بأن يخرج عن السيطرة في أي لحظة يعود فيها الاقتصاد العالمي للتعافي الحقيقي، حيث أن خطط التحفيز الهائلة من الحكومات حول العالم، إلى جانب سياسات البنوك المركزية التحفيزية في الدول العظمى، كلها تبشّر بدفع التضخم للارتفاع بشكل كبير وسريع مع عودة تعافي الاقتصاد العالمي.

حالياً، يبلغ التضخّم في الولايات المتحدّة بحسب مؤشر سعر المستهلك 1.4%، وفي الصين 0.2% وأوروبا -0.30% وبريطانيا +0.3% ، وهذه المستويات فعلاً منخفضة وبدأ اقتصاديون يشيرون لمخاوف ركود اقتصادي يرافقه انكماش تضخمي. لكن باعتقادي، هذه الظروف مؤقّتة، وقد نشهد عودة ارتفاع التضخم وبشكل متسارع خلال أواخر هذه السنة. بالتالي، ارتفاع أسعار الذهب ما يزال مرجّحاً، فارتفاع التضخم أو ملامح ارتفاعه مع وجود أسعار فائدة متدنية جداً، كلها أسباب داعمة للمعدن الثمين.

ولو نظرنا إلى عوائد السندات الأمريكية، نسمع الكثيرون يشيرون إلى ارتفاع فيها. لكن لنتساءل الآن عن الارتفاع الذي حدث، في أي نوع من السندات، سنجد بأنه مرتبط في سندات ذات آجال الاستحقاق الطويلة. ومثلاً، عائد سندات أمد استحقاق عشر سنوات يبلغ حالياً قربة 1.10%، لكن لو نظرنا إلى عوائد سندات عامين، فهي عند 0.14% وعوائد سندات عام واحد تبلغ 0.10%، فعل ارتفعت عوائد السندات قصيرة ومتوسط المدى؟ الجواب لا، هي في مستويات قريبة جداً من المستويات المعتادة المتدنية منذ شهر مارس 2020، وعوائد السندات على المدى القريب ما تزال سلبية بإدخال معامل التضخم.

في النتيجة، ما حصل أمس يعتبر دلالة على رغبة في زيادة حيازة الذهب للتحوط من الظروف الاقتصادية الغير مؤكدّة خلال النصف الأول من هذه السنة، وطلب الذهب خشية ارتفاع التضخم خلال النصف الثاني والأعوام المقبلة. كذلك، خطط التحفيز وسياسات البنوك المركزية كلها داعمة لارتفاع المعدن الثمين.

ويرى قسم الدراسات في مجموعة Equiti أن اختراق الذهب مستويات 1838.10 دولار للأونصة ثم 1848.60 سيوقف السيناريو السلبي ويدفع السعر لاستئناف الاتجاه الرئيسي الصاعد من جديد

الندوات و الدورات القادمة
large image