ماذا بعد قفزة الناتج المحلي الإجمالي؟

ماذا بعد قفزة الناتج المحلي الإجمالي؟

أسفرت القراءة الأولية للناتج المحلي الأمريكي للربع الثالث من 2009 عن ارتفاع تجاوز كل التوقعات لتسجل القراءة 3.5% مقابل القراءة السابقة المراجعة التي سجلت 0.7-% والتوقعات التي أشارت إلى 3.2% وهو نتج، على الأرجح، عن الجهود التحفيزية الجبارة التي قامت بها إدارة أوباما والفيدرالي في سبيل تعزيز اقتصاد البلاد والتي يأتي في مقدمتها برنامج الإعفاء الضريبي بواقع 8000 دولار لملاك المنازل للمرة الأولى الذي سار جنباً إلى جنب مع برنامج تخريد السيارات بغرض التجديد، وهما البرنامجان اللذان دعما قطاعي التجزئة والإسكان بالولايات المتحدة على مدار الربع الثالث. إضافةً إلى ذلك، كانت هناك جهود موازية من جانب الاحتياطي الفيدرالي من خلال ما قدمه في إطار برنامج شراء الأصول (التسهيل النقدي) وهي الجهود التي أسفرت عن النتيجة المبهرة للناتج المحلي الإجمالي التي انتقلت بالاقتصاد الأمريكي للمنطقة الخضراء وتحقيق النمو الإيجابي للمرة الأولى على مدار عام كامل.


ردة فعل أسواق المال:
كان رد الفعل المباشر على الدولار أن تعرضت العملة لعمليات بيع مكثفة في أعقاب الإصدار مباشرةً، إلا أن أثر هذه العمليات كان محدوداً للغاية كما افتتحت تعاملات أسواق الأسهم الأمريكية على ارتفاع طفيف في حين ارتفع الذهب والنفط من المستويات المنخفضة التي سجلتها تعاملات اليوم. كما يتوقع أن يكون مستوى 1073 هو أول المستويات التي يتجه إليها مؤشر S&P500 وهو ما يمكن أن يمثل عائقاً أمام المزيد من الارتفاع للمؤشر حيث تنتج عن استمرار مواجهة المؤشر للمقاومة في هذه المنطقة تعزيز لتطلعات الهبوط.


الدولار الأمريكي:
من الجدير بالذكر أن هذه الجهود لم تسفر عن هذه النتائج الإيجابية دون مقابل حيث دفعت الولايات المتحدة ثمناً غالياً للحصول على هذا القدر من الاستقرار حيث ضحت البلاد بالقدر الكبير من القوة التي كان الدولار يتمتع بها لصالح الاقتصاد الأمريكي وهو ما يؤيده ما أثير من بلبلة حول مكانة الدولار كعملة الاحتياط الأولى في العالم وما صدر من تصريحات تشير إلى بداية اتجاه جديد يتخذه تكتل من الاقتصادات الناشئة تتزعمه الصين والذي استهدف على مدار العام الماضي تقليل الاعتماد على العملة الأمريكية في تكوين احتياطات النقد الأجنبي لهذه الدول وهو الأمر الذي ظل يظهر أحياناً ويختفي أحياناً أخرى على ساحة الاقتصاد العالمي. كما شهدت هذه الفترة تضارب في وجهات النظر حول مكانة الدولار كعملة احتياط رئيسية. تصدرت وجهات النظر هذه ما كرره تريشيه، رئيس المركزي الأوروبي، مؤخراً من أنه يؤيد سياسة "الدولار القوي". ولكن على العكس مما فضلته التصريحات الداعمة للدولار، والتي جاءت من جميع دول الاقتصادات الرئيسية مؤخراً، جاءت الأنباء عن انتقال النمو إلى المنطقة الإيجابية لتضيف المزيد من الضغوط على كاهل الدولار الأمريكي حيث ارتفعت شهية المخاطرة ليهبط الدولار مقابل أصول المخاطرة، في مقدمتها اليورو والدولار الأسترالي، والتي كانت بالفعل على ارتفاع قبل ظهور البيانات الأمريكية وهو الأمر الذي من المنتظر استمراره ما لم تفجر أسواق الأسهم المفاجأة بالتعرض لعمليات بيع مكثفة.


بينما تشير وجهة النظر الفنية إلى أن رسم الأربع ساعات لمؤشر الماكد يوضح أن مؤشر الدولار يتواجد تحت خط الإشارة مما يرجح تكوين قمة عند مستوى 76.57 على مدار تعاملات اليوم. ومن الممكن أن تظهر بعض التحركات العرضية لمؤشر الدولار مما يؤدي إلى تراجع الدولار عن مستوى المتوسط الحسابي لـ (55 يوم) المتواجد في الوقت الحالي عند 75.81. على الرغم من ذلك، نميل إلى حالة الصعود حيث بدأ المؤشر في الارتفاع من مستوى الدعم الثانوي، 75.56، وباستمرار تلقي الدولار للدعم عند هذا المستوى، نتوقع ارتفاعاً آخراً مؤشر الدولار يتوقف بمواجهة المقاومة عند مستوى 77.47.


 

الجانب المظلم:
على الجانب الآخر، جاءت إعانات البطالة الأمريكية لتعكس حالة من الثبات وعدم إحراز أي تحسن يذكر على الرغم من التقدم الذي أحرزته بالانخفاض بواقع 1000 حالة حيث سجلت القراءة الحالية لبيانات البطالة الأسبوعة 530 ألف مقابل القراءة السابقة التي سجلت 531 ألف وهو ما جاء أقل بكثير من التوقعات التي أشارت إلى 522 ألف. يشير ما سبق إلى أن قطاع التوظيف الأمريكي لا زال يعاني الكثير من التدهور وهو القطاع الذي يستمر في لعب دور أكبر المعوقات التي واجهت النمو الامريكي منذ بدء الازمة. علاوة على ذلك، تتوافر بيانات أخرى تشير إلى أن ارتفاع المعدل البطالة الأمريكية لن يكون وحيداً في تأثيره على الاقتصاد الأمريكي، فبعدما فشلت كل المحاولات التحفيزية وإجراءات التسهيل النقدي وغيرها من الإجراءات التي اتخذتها إدارة أوباما في الحد من ارتفاع معدل البطالة، نرى أن الإنفاق الحكومي الهائل الذي قامت به الإدارة في سبيل تحفيز الاقتصاد الأمريكي أدى في نهاية الأمر إلى زيادة العجز المالي في الولايات المتحدة وهي الظاهرة التي من االممكن أن تؤثر وبقوة على مستقبليات النمو. كما نود الإشارة إلى أن ما حدث اليوم ليس إلا قراءة أولية وسوف نتابع التطورات التي من المنتظر أن تطرأ على القراءة النهائية للنمو الأمريكي لنرى ما إذا كان الاقتصاد الأمريكي يقف على أرض صلبة تمكنه من الاستمرار في المنطقة الخضراء أم أنه في طريقه إلى التراجع مرة أخرى، خاصةً وأن المحركين الأساسيين اللذان عملا على دفع عجلة النمو إلى الأمام هما الإنفاق الحكومي وإنفاق المستهلك في حين ظلت باقي القطاعات في حالة من السبات في حاجة إلى من يوقظها لتشارك في استمرار مسيرة النمو وتقدم الناتج الأمريكي وهو ما سيتضح في أعقاب وقف الإجراءات التحفيزية واللجوء إلى التضييق وما سيسفر عنه ذلك من نتائج.

 


large image
الندوات و الدورات القادمة
large image