الدولار يستعد لقفزة الموت قبيل صدور بيانات التوظيف

لن يكون تعافي اقتصاد الولايات المتحدة حقيقياً إذا لم يصاحبه نمو في إنفاق المستهلك وظهور الآلاف من فرص العمل الجديدة. لذلك، يقع تقرير التوظيف الأمريكي الذي ينتظر صدوره خلال ساعات على جانب كبير من الأهمية فيما يتعلق باثبات سلامة التكهنات من عكسه وهي التكهنات التي تشير في مجملها إلى أن اقتصاد الولايات المتحدة عاد إلى المنطقة الخضراء وأنها حققت نمواً إيجابياً على مدار الربع الثالث من العام الجاري. كما تشير جميع الدلائل المبدأية المتوافرة في الوقت الراهن إلى زخم كبير من التحسن وأن تداول الدولار الأمريكي سوف يعتمد إلى حدٍ كبير على التغيرات التي من المتوقع أن تشهدها بيانات التوظيف. جدير بالذكر أنه منذ السبعينات من القرن الماضي، لم يقم الاحتياطي الفيدرالي برفع معدل الفائدة إلا بعد التحقق من هبوط ملحوظ في معدل فقد وإلغاء الوظائف. وبالأمس ظهرت العديد من المؤشرات والتصريحات التي عبر من خلالها مسئولي الفيدرالي عن تشككهم في إمكانية الخروج من دائرة التحفيز المالي والاقتصادي وأنه طالما يستمر الاقتصاد الأمريكي في فقد الوظائف، لن ينظر الفيدرالي إلى مسألة رفع معدل الفائدة على الإطلاق ولن يهرع إلى تطبيق استراتيجية للخروج. وعلى مدار الأسبوع الماضي، لجأ الكثير من متداولي سوق المال إلى بيع الأسهم وشراء الدولار الأمريكي مما يرجح أن التفاؤل قد بدأ في التراجع عن أسواق المال. لذا ننتظر تقرير الوظائف المتوافرة في القطاع غير الزراعي الأمريكي ليحسم الأمر فيما يتعلق بالتفاؤل والمساعدة في دفع عجلة التعافي إلى الأمام.

 

جميع المؤشرات تؤكد على تحسن القراءة
ولسوء الحظ، تشير توقعات الوظائف المتوافرة في القطاع غير الزراعي الأمريكي حيث تتوقع الأسواق تسجيل القراءة لأقل معدل فقد وظائف في 13 شهر. وللمرة الأولى على مدار سنة كاملة، يتوقع المحللون الاقتصاديون تسجيل الوظائف المتوافرة في القطاع غير الزراعي لـ 200 ألف، إلا أنها على الرغم من ذلك، تبقى في المنطقة السالبة للشهر الـ 21 على التوالي ما يشير المحللون إلى إمكانة تحقيق معدل البطالة لقفزة إلى 10%. ولكن مع ذلك، أجمعت المؤشرات الرائدة الأمريكية على أن التقرير القادم للوظائف المتوافرة في القطاع غير الزراعي سوف يتسم بقدر كبير من الإيجابية وهو ما يوجهنا إلى التساؤل عما إذا كانت استجابة المتداولين للتقرير سوف تأتي إيجابية أم لا. فمع استمرر الدعم والتدخل الشفهي لصالح الدولار الأمريكي من جانب أعضاء مجلس الفيدرالي، يصعب إقناع المستثمرين والمتداولين في سوق العملات في دخول عمليات بيع للدولار الأمريكي. لذا من المرجح أن يكون تحقيق بيانات الوظائف المتوافرة في القطاع غير الزراعي الأمريكي موافقة للتوقعات، 175، أول أقل منها، إيجابية للدولار مما يؤدي إلى اتحاذ العملة للاتجاه الصاعد وهو ما يمكن الإشارة إليه على أنه رد الفعل المباشر الفوري، ولكن بمجرد افتتاح تعاملات أسواق الأسهم الأمريكية، يبدأ الدولار الأمريكي في التراجع عما قد يحققه من مكاسب معتمداً على تحسن بيانات التوظيف مكرراً بذلك حركة سعر الشهر الماضي. معنى ما سبق، أن رد الفعل المباشر لزوج (اليورو / دولار) لبيانات التوظيف سوف يتمثل في هبوط مفاجيء سرعان ما يزول.

 

على الرغم مما سبق، يعتبر السؤال الأكثر أهمية على الإطلاق هو "كم من الوقت يمكن للاقتصاد الأمريكي أن يستغرق حتى يتمخض عن فرص عمل جديدة ويتحول إلى المنطقة الإيجابية فيما يتعلق بنمو قطاع التوظيف؟ يمكننا الإجابة على هذه التساؤلات انطلاقاً من قراءة الناتج الإجمالي المحلي للولايات المتحدة وتصريحات برنانك رئيس الفيدرالي التي أشار فيها إلى أن الركود وصل إلى نهاية وأن هناك فرصة كبيرة أمام الاقتصاد الأمريكي للخروج من أسوأ ركود منذ الحرب العالمية الثانية. مع أخذ ما سبق في الاعتبار، رأينا أن نلقي نظرة على البيانات التاريخية المتوافرة لدينا عن الفترة التي استغرقها الاقتصاد في تحقيق نمو إيجابي في التوظيف في أعقاب الخروج من الركود منذ 1945 وحى الآن لنكتشف أن متوسط الفترة الممتدة من انتهاء الركود وتحقيق نمو إيجابي في قطاع التوظيف إلى 2.27 شهر وذلك على مدار جميع نوبات الركود التي دخل فيها منذ عام 1945. جدير بالذكر أن مكتب الإحصاء الوطني لن يعلن النهاية الرسمية للركود قبل شهور من الآن. على الرغم من ذلك وبناءً على ما يتوافر لدينا من بيانات علاوة على التصريحات المستمرة من جانب أعضاء الفيدرالي، نرى أن الركود قد وصل بالفعل إلى نهاية من وجهة النظر الفنية وهو ما يشجع على القول بأن هناك إمكانية كبيرة لعودة الاقتصاد الأمريكي إلى النمو الإيجابي في الربع الأول من 2010 إلم يكن قبل ذلك. يشير ما سبق إلى أن معدلات الوظائف المتوافرة في القطاع غير الزراعي الأمريكي ترجعه بنا إلى حالة قريبة الشبه مما كانت عليه في الثمانينات من القرن الماضي. وإذا ما استمرت علاقة الارتباط بين بيانات التوظيف وحالة الاقتصاد على نفس المنوال، فسوف يؤكد ذلك على احتمال تحقيق الاقتصاد الامريكي لنمو في قطاع التوظيف في الربع الأول من العام القادم.

 

 

 

معدل البطالة يقترب من القمة
يقترب معدل البطالة في الوقت الراهن من القمة أي أعلى مستوياته على الإطلاق. ويوضح الرسم أدناه علاقة الارتباط بين البطالة الأمريكية والفروق بين تقدريات المستهلك للأوضاع الحالية للأعمال الأمريكية. وقد قمنا في هذا الرسم بطرح عدد المشاركين في تقديرات الأعمال الذي أظهرت استجاباتهم أن أوضاع الأعمال لا زالت سيئة من عدد نظارئهم الذي أشارت استجاباتهم إلى أن أوضاع الأعمال تحسنت مع عقد مقارنة لناتج هذه العملية الحسابية بمعدل البطالة الامريكية على مدار الفترة الممتدة من بداية 1966 وحتى الشهر الحالي. ويمكننا الإشارة من خلال الرسم إلى أن التشاؤم حيال الأوضاع الاقتصادية الحالية جاء متوافقاً مع معدلات البطالة المرتفعة في معظم الشهور التي امتدت عليها عملية القياس المشار إليه. من هذا المنطلق ومع الأخذ في الاعتبار أن مؤشر أوضاع العمالة بدأ في الارتفاع إلى مستويات معتدلة، من المرجح أن يتحسن الموقف فيما يتعلق بمعدل البطالة اعتماداً على العلاقة العكسية القائمة بين المؤشرين.

 

 

جميع المؤشرات الرائدة تؤيد تحسن بيانات التوظيف
في كل شهر يتم النظر في مجريات الأمور لعشرو خمن قراءات المؤشرات الرائدة الأمريكية حتى يتسنى تكوين نظرة عامة عن بيانات الوظائف المتوافرة في القطاع غير الزراعي الأمريكي، على الرغم من ذلك من الممكن أن يختلف الأمر قليلاً بصدور قراءة مؤشر ISM الخدمي الذي من المقرر ظهوره في أعقاب ظهور بيانات التوظيف ليترك لنا ذلك تسعة مؤشرات رائدة فقط يمكننا من خلالها الاستدلال على مدى ما يمكن أن تحققه الوظائف المتوافرة في القطاع غير الزراعي الأمريكي. ففي الشهر الماضي، ظهرت ستة من المؤشرات الرائدة التي أشارت إلى أن معدل فقد الوظائف سوف يشهد المزيد من التراجع من إجمالي المؤشرات التسعة المشار إليها في مقدمتها قراءة متوسط الأربع أسابيع لإعانات البطالة الأمريكية ومؤشر إجمالي إعانات البطالة اللذان سجلا هبوطاً ملحوظاً للغاية مما انعكس على قراءة مسح تشالنجر جراي آند كريسماس ليشير المسح إلى وصول معدل فقد الوظائف إلى أدنى المستويات منذ يناير 2007. كما أشارت قراءة مؤشر ADP لتوظيف القطاع الخاص إلى تحسن معدل التوظيف ولكن بوتيرة هي الأبطأ على الإطلاق. أدتهذه القراءات إلى ظهور إشارات واضحة إلى أن قطاع التوظيف بدأ في تحقيق أرقام تبلعث على الارتياح والتفاؤل وهو ما يعد أحد الأسباب في ارتفاع مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن جامعة ميتشيجان إلىأعلى المستويات منذ يناير 2008. على الجانب الآخر سجل مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن كونفرنس بورد نيتجة في الاتجاه المعكس تماماً تشير إلى انخفاض ثقة المستهلك الأمريكي. علاوة على هبوط قراءة مؤشر مونستر لإعلانات الوظائف على الإنترنت مع هبوط مماثل في مكون التوظيف المتضمن في مؤشر ISM التصنيعي الصادر بالأمس.

 

وعند الأخذ في الاعتبار احتمال تحسن آخر تحققه بيانات الوظائف المتوافرة في القطاع غير الزراعي الأمريكي، تتوافر الفرصة إلى حدٍ بعيد أمام الدولار الأمريكي لإظهار رد فعل مماثل لما صدر عنه في أغسطس الماضي بالارتفاع إلى مستويات جيدة ثم الانتقال إلى مستويات منخفضة والركون إلى حالة من الضعف على مدار الأسابيع التالية من الشهر الماضي بمجرد افتتاح تعاملات أسواق الاسهم الأمريكية. تجدر الإشارة إلى أن المستويات المتوقعة للوظائف المتوافرة في القطاع غير الزراعي تشير إلى 150000 أو أقل وهو ما يعد من العوامل التي من الممكن أن تدفع بالدولار الامريكي إلى مستويات مرتفعة مقابل الين الياباني مع الإبقاء على العملة في حالة منت الضعف مقابل عملات المخاطرة والعملات مرتفعة العائد مثل اليورو والدولار الأسترالي ولكن على الجانب الآخر، في حالة تجاوز الوظائف المتوافرة في القطاع غير الزراعي الأمريكي لمستوى 225 أو أكثر، من المتوقع أن تجتاح الأسواق موجة من تجنب المخاطرة مما يضاعف مكاسب الدولار ويعمل على استمرار صعوده. بينما ترجح أي قراءة بين مستويي 150 ألف و225 ألف رد فعل معتدل للأسواق يتماشى مع اتجاه المفاجأة التي نتتظرها إلى الارتفاع أو الانخفاض.

 

على الرغم من ذلك، تشتهر هذه البيانات كما نعلم بالقدرة الهائلة على إحداث أعنف موجات التذبذب في أسواق المال بما لها من توقعات ومراجعات وهو ما يجعلنا في حاجة إلى التاكيد على أن الأثر الناتج عن بيانات الوظائف المتوافرة في القطاع غير الزراعي الأمريكي يتسم بكونه أثراً قصير الاجل لا يستمر كثيراً. يتضح ذلك من خلال الرسوم التالية التي توضح الأثر الواقع على زوج (اليورو / دولار) الذي هبط الشهر الماضي كأثر مباشر لهذه البيانات، إلا أنه سرعان ما استعاد عافيته لذا ننصح بعدم التعجل في التحركات في إطار سوق العملات حتى تستقر الأوضاع وتتضح الرؤية.

 

 

 


large image
الندوات و الدورات القادمة
large image