هل من الممكن أن ترتفع عائدات السندات العالمية من جديد؟

هل من الممكن أن ترتفع عائدات السندات العالمية من جديد؟

استقرت عائدات السندات في العديد من الدول على الصعيد العالمي عند مستويات منخفضة في ظل التقلبات التي عانت منها الأسواق المالية خلال الأعوام الماضية. فمع ارتفاع حالة عدم اليقين، اتجه المستثمرون إلى السندات لحين استقرار الأوضاع العالمية باعتبارها أقل مخاطرة مقارنة بسوق الأسهم. ولكن ما يشغل بال الأسواق في الوقت الراهن هل من الممكن أن ترتفع عائدات السندات من جديد؟

في البداية علينا الوضع في الاعتبار، أن هناك علاقة عكسية تربط أسعار السندات بعوائدها. بمعنى إذا ارتفع الطلب على السندات تراجعت العوائد. وقد لاحظنا طوال الأعوام الماضية أن الطلب على سوق السندات بوجه عام قد ارتفع مع زيادة الغموض، وبالتالي تراجعت عوائد السندات إلى أدنى مستوياتها التاريخية.

وقد تدنت عائدات السندات مع تبني البنوك المركزية العالمية السياسات التسهيلية منذ الأزمة العالمية في عام 2008 لدفع اقتصادهم بعيدًا عن مخاطر الركود. فقد استهدفت البنوك المركزية استقرار عوائد السندات عند مستويات منخفضة منعًا لارتفاع قيمة العملة والتي ستقف بالطبع أمام النمو الاقتصادي.

وبالطبع إذا تطرقنا إلى عوائد السندات علينا ألا نغفل عن النموذج الياباني مع تبني بنك اليابان سياسة جديدة في سبتمبر الماضي من خلال الاستمرار في برنامج التيسير النقدي المصحوب بالفائدة السلبية بالإضافة إلى التحكم في منحنى العائد. وقد كان لهذا الأمر تأثيرًا إيجابيًا على الأسواق، حيث شهد الاقتصاد الياباني نموًا ملحوظًا منذ أن قام البنك بخفض عائدات السندات الحكومية لأجل عشرة أعوام عند مستويات الصفر. وعلى إثر اتباع تلك السياسة تراجع الطلب على الين الياباني بشكل كبير وهو ما تسبب في انتعاش قطاع الصادرات في الآونة الأخيرة كما أكد البنك على هذا خلال اجتماع مارس الجاري.

أيضًا يجدر الإشارة، أن عائدات السندات في منطقة اليورو قد استقرت عند أدنى مستوياتها طوال الأعوام المنصرمة مع تبني البنك المركزي الأوروبي سياسة الفائدة السلبية، مما تسبب في تراجع عائدات السندات مع تراجع الطلب على العملة.

وعلى عكس السندات الأمريكية التي كان لها النصيب الأكبر في الارتفاع خلال الفترة الماضية. فنجد أن عائدات السندات الأمريكية طويلة الأجل قد شهدت ارتفاعًا نوعًا ما في الفترة الأخيرة مقارنة بالدول الأخرى مع استمرار الفيدرالي الأمريكي في وتيرة التشديد النقدي والتي ساهمت في ارتفاع الطلب على العملة. ومن المتوقع أن تتربع عائدات السندات الأمريكية على القمة الفترة المقبلة خاصة مع رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة أكثر من مرة هذا العام.

 

  • ما العقبات التي تقف أمام ارتفاع عوائد السندات؟

فهناك عوامل محلية تقف عائقًا أمام ارتفاع عوائد السندات والمتمثلة في العوامل الديموجرافية. فيُذكر أن أعداد المواليد قد شهد ارتفاعًا بشكل حاد عقب الحرب العالمية. ولكن مع التطور التكنولوجي وانتشار الوعي تراجع أعداد المواليد من جديد خلال العقود الماضية. وقد ترتب على هذا الأمر تراجع أعداد الموظفين بوتيرة ثابتة ليصبح أعداد المتقاعدين أكبر من الموظفين في الفترة الحالية.

وفضلاً عن التداعيات السلبية لهذا الأمر على وتيرة نمو قطاع سوق العمل وعلى الاقتصاد بوجه عام، كان لزيادة أعداد المتقاعدين تأثيرًا على عائدات السندات. فقد اتجهت أغلب صناديق التقاعد إلى السندات باعتبارها أكثر أمانًا مقارنة بالأسهم. وبالتالي تراجعت عائدات السندات العالمية على إثر زيادة أعداد المتقاعدين.

 

  • هل من الممكن أن ترتفع عائدات السندات العالمية من جديد؟

ازدادت التوقعات التي تصب لصالح ارتفاع عائدات السندات من جديد بعد حالة الضعف التي استحوذت عليها منذ وقوع الحرب العالمية. ففي ظل استقرار الأوضاع العالمية من المتوقع ألا تتخذ البنوك المركزية تدابير تسهيلية جديدة، حيث من المتوقع ألا تتسع الفجوة بين السياسة النقدية في الولايات المتحدة الأمريكة وسياسات الدول الأخرى. وفي حالة استمرار تعافي النمو العالمي، قد تتجه أغلب البنوك المركزية إلى تشديد سياستها النقدية وهو ما قد يدفع عائدات السندات للارتفاع من جديد.

ولكن مازال هناك مخاوف حدوث أزمة عالمية جديدة تلوح في الآفق. فقد أصبحت الأسواق أكثر قلقًا إزاء تسريع الفيدرالي الأمريكي وتيرة التشديد النقدي وهو ما سيتسبب في ارتفاع الطلب على العملة بشكل قوي وارتفاع عائدات السندات بوتيرة لا تسمح للأسواق التأقلم مع هذا الارتفاع. وقد ينزلق الاقتصاد العالمي إلى الركود من جديد.

 

وفي النهاية علينا الوضع في الاعتبار، أن حالة عدم اليقين مازالت مستقرة عند أعلى مستوياتها والناجمة عن; الانتخابات السياسية في العديد من دول أوروبا وغموض سياسات ترامب المالية واعتزامه تبني السياسة الحمائية والتي قد تُثقل على النمو العالمي وأخيرًا ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وبدء مرحلة المفاوضات. كل تلك العوامل قد تدفع المستثمرين إلى السندات، وبالتالي قد تواصل استقرارها عند أدنى مستوياتها لفترة من الوقت قبل استئناف ارتفاعها من جديد.


large image
الندوات و الدورات القادمة
large image