ارامكو السعودية شركة مساهمة بالكامل بنهاية 2030

منذ اعلان الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي طرح جزء من شركة ارامكو السعودية للإكتتاب العام والتحليلات والمقالات والتعليقات على ذلك القرار مستمرة، كونه الإكتتاب الأضخم في السعودية ومن أضخم الإكتتابات في العالم، ولأن الإكتتاب في أكبر شركة نفط والمتحكمة في أهم أسواق الطاقة في العالم، ولأن توقيت الإكتتاب حساس جدا إقتصاديا وسياسيا.

كثيرون هم المؤيدون لهذه الخطوة المفاجئة نوعا ما، ويرون فيها نقلة نوعية في السياسة الإقتصادية السعودية وفوائدها كبيرة على الإقتصاد السعودي عموما وعلى السياسة النفطية السعودية وعلى شركة أرامكو خصوصا؛ لكن البعض يرى فيها خطرا على السيادة السعودية كون الثروة النفطية تمثل المصدر ربما الوحيد للمملكة وقوتها الاقتصادية العالمية، ولكل طرف مبرراته القوية التي تؤيد رأيه والحجج التي تدعم فكرته.

أما أنا فأرى أن هذه الخطوة ما هي إلا الخطوة الأولى في طريق خصخصة شركة أرامكو السعودية بالكامل خلال فترة التحول الوطني 2030، وإن لم يكن ذلك هو توجه الحكومة السعودية فإنني أتمنى أن تفكر فيه جديا وأن تتبناه فعلا وتعمل على تنفيذه خلال فترة تنفيذ الرؤية السعودية بحيث لا يأتي عام 2030 م إلا وقد تم بيع جميع أسهم الشركة وأصبحت شركة مساهمة بالكامل.

أعتقد كما ذكر الأمير محمد بن سلمان أن لدينا إدمانا إسمه النفط علامته التجارية أرامكو ويجب التخلص من هذا الإدمان لننطلق نحو الإقتصاد الرأسمالي الحر المنتج، ولن نتخلص منه دون التخلص من أداته الرئيسية.

السيادة التي يتحدث عنها البعض لا تكمن في إمتلاك الحكومة إدوات الإنتاج بل في القانون الذي يحكم الأرض وما فوقها وما تحتها والذي تفرضه الحكومة. وجميع دول العالم الرأسمالي الحر لا تملك أراضي المواد الخام ولا تملك وسائل الإنتاج، ولم ينتقص ذلك من سيادتها وأمنها القومي شيء، سواء ً الأمن الإقتصادي منه والسياسي والإجتماعي والأمني.

بل على العكس من ذلك، عدم تملك الحكومة لأدوات الإنتاج يعطيها حرية أكبر في سن القوانين وفرضها وهذا ما يقوي سيادتها وأمنها. تثبت الأرقام العالمية أن ما يخرج من الأموال في الدول التي تمتلك فيها الحكومات أدوات الإنتاج أكثر مما يدخل لها، والعكس في الدول التي لا تمتلك فيها الحكومات أدوات الإنتاج تتدفق إليها الأموال من كل دول العالم، ولا تستطيع تلك الأموال الخروج منها بسهولة بل ربما لا ترغب في الخروج، وما ذلك إلا لوجود القوانين التي تسهل عملية الإستثمار والإنتاج والإقتصاد القوي الذي يضمن عوائد مجزية لتلك الإستثمارات، كما أن القوانين تُصعّب خروج رؤرس الأموال.

وإذا كان السيادة في القوة الإقتصادية العالمية التي تملكها الحكومة بإمتلاك الشركة الأكبر في العالم لإنتاج النفط، فإن تحول تلك الشركة من ملكية الحكومة إلى ملكية المساهمين لن يؤثر مطلقا على قوة الدول الإقتصادية في العالم بل سوف يدفع بتلك القوة للأعلى بسبب تنامي قوة الإقتصاد بشكل عام.

ثم إن التأثير السياسي السلبي لإمتلاك الحكومة لشركة أرامكو في حالات كثيرة أثر على نظرة الدول لمواقفها السياسية في كثير من القضايا الإسلامية والعربية وحتى العلاقة الثنائية ببعض الدول، وتحرر الحكومة من ذلك التأثير السلبي مع بقاء قوة الإقتصاد السعودي سيعطي الحكومة قوة وحرية حركة كبيرين على الصعيد السياسي الدولي والإقليمي، ولن تضطر كما يحدث دائما أن تنفي الربط بين الموقفين السياسي والإقتصادي

والأهم أن الحكومة لن تكون غائبة عن قرارات أرامكو الإقتصادية من خلال تملك بعض أذرعها الإستثمارية حصصا كبيرة من أسهم الشركة، وهنا تكسب الحكومة الفوائد الإقتصادية ولا تتحمل وزر مواقف الإقتصاد السياسي.

أما في الجانب الاقتصاي البحت فإن العوائد من خصخصة شركة أرامكو بالكامل أكبر بكثير من بقاءها تحت مظلة الحكومة ولو جزئيا، ومن تلك الفوائد ما ذكره سمو ولي ولي العهد السعودي في مقابلته مع قناة العربية ظهيرة إطلاق رؤية السعودية 2030، من حيث توفير عوائد تتجاوز 160 مليار دولار بخصخصة 5% فقط، وإستثمار عوائد تلك الخصصة سيحيل الصندوق السيادسي السعودي إلى أكبر صندوق سيادي في العالم.

ومن المتوقع أن تتجارز عوائده 100 مليار دولار سنويا، ومن خلال ذلك الصندوق تستطيع الحكومة السعودية السيطرة على أهم شركات العالم، وهي بذلك لن تسيطر على سوق النفط فقط، بل ستمتد سيطرتها إلى أسواق أخرى لا تقل أهمية عن سوق النفط؛ فإذا كانت تلك نتائج عوائد بيع 5%، فكيف ستكون نتائج بيع كامل أسهم الشركة؟ أعتقد أن الإستثمارات السعودية وقتها ستصبح من أهم المحركات الرئيسية للاقتصاد العالمي في جميع قطاعاته.

برأيي أن المكاسب الإقتصادية الأهم من بيع شركة أرامكو بالكامل تتمثل في ثلاثة مكاسب تتعلق بطبيعة الطاقة المستقبلية، وأظنها من الأسباب التي دعت الحكومة السعودية إلى المبادرة بإعلان بيع جزء من الشركة، وتلك المكاسب هي:

التطور الكبير في تقنيات الطاقة الطبيعية المتجددة تصنيعها وإستخدامها ينذر بقرب نهاية عصر النفط كمصدر أول للطاقة في العالم، وتراجعه إلى إستخدامات ثانوية ومحدودة كما حدث للفحم الحجري من قبل. وليس من الحكمة الإقتصادية إنتظار اليوم الذي تتضح فيه كامل معالم أفول نجم النفط، لأن ذلك يعني تراجع قيمة الشركة بشكل كبير جدا، ولا أعتقد أن تقنية الطاقة المتجددة ستتأخر كثيرا حتى تصبح الطاقة الأولى في العالم، بل لا أظنها ستنتظر حتى العام 2050م ، وليس ذلك ببعيد.

ولأن السعودية تمتلك ميزة نسبية في مجال الطاقة المتجددة خصوصا في أهم أنواع تلك الطاقة وهي الطاقة الشمسية، فإن التوسع في الإستثمار فيها من الأن سيرفع قدرة المملكة التنافسية في هذا المجال خلال فترة وجيزة مما يجعل عوائدها تحل محل العوائد النفيطة.

على أن يشمل ذلك الإستثمار أهم المستويات وهو المستوى البحثي والتطويري، بحيث تصبح السعودية رائدة في مجال الطاقة الشمسية كما هي رائدة في الطاقة النفطية؛ ولأن تلك الإستثمارات على مستوى البحث والتصنيع والإنتاج تتطلب مبالغ هائلة، وليس من السهل توفيرها عن طريق مدخرات الدولة الحالية ولا عن طريق الإقتراض، فإن الإستثمار في أصول جديدة من خلال تسييل أصول قديمة من طرق التمويل الأقل كلفة على المستثمر وأكثر عوائد، وسيكون ذلك خيارا مناسبا للحكومة السعودية.

وإذا كان البعض يشكك في إمكانية حلول الطاقة المتجددة محل النفط في الأجل القصير فإن الطاقة المتجددة في الأجل المتوسط ستكون خيارا وحيدا مع بدء نضوب النفط وإرتفاع أسعاره، حتى وإن كانت السعودية وقتها تمتلك مخزونا كبيرا يجعلها من الدول القلائل القادرة على الإستمرار في الإنتاج إلا أن العالم وقتها سيكون تجاوز أزمة تقنية الطاقة المتجددة.

ثم إن النفط في نهاية الأمر طاقة ناضبة ولن تدوم، وما يخسره العالم سنويا من النفط يفوق ما يكتشفه بخمسة أضعاف تقريبا، أي أن النفط سينتهي لا محالة، وحينها إما الطاقة المتجددة أو نعود لعصور الفحم والبخار.

أخيرا الرؤية السعودية 2030 تُظهر رغبة الحكومة في التوجة نحو الإقتصاد الرأسمالي وتلك الإقتصاديات تعتمد على الإنسان كأهم عناصر الإنتاج وليس الموارد الطبيعية، وهذا يقتضي أن تتوجه الإستثمارات السعودية مستقبلا نحو تطوير التعليم ورفع كفاءته، والإستثمار في الصناعات الذكية لدخول الثورة الصناعية الرابعة.

حيث من المتوقع أن تؤثر تلك الثورة على إستهلاك الطاقة النفطية من خلال ما ذكرنا سابقا، ومن خلال رفع كفاءة الصناعة الإنتاجية، وهذه الميزة لها تأثيرين سلبيين على الصناعة النفطية؛ أولا خفض إستهلاك الطاقة برفع جودة الآلة مما يقلل من الطلب على النفط والطاقة عموما، وثانيا رفع طاقة إستخراج النفط ما يعني زيادة الإنتاج؛ وكلا السببان يعملان على خفض سعر النفط وهي المشكلة التي تعبث بموازنات الدول المعتمدة على النفط في دخلها.

لكل ما سبق أدعو صُناع القرار في الحكومة السعودية إلى التفكير جديا ببيع كامل حصة الحكومة السعودية في شركة أرامكو تدريجيا حتى نهاية عام 2030 م، وأن تستثمر عوائد البيع في الإقتصاديات الحديثة التي تبشر بها الثورة الصناعية الرابعة.

الندوات و الدورات القادمة
large image