هل يبدأ بركان الدولار بالثوران؟

يتمتع الدولار بعلاقة عكسية مع بقية الأسواق والسلع، فإذا ارتفع من جهة هبطت الأسواق على الجانب الآخر، وهذا شيء معلوم في عالم الاقتصاد، والسبب الرئيس في ذلك أن السلع الرئيسة مسعرة بالدولار، فلا يمكن شراء أو امتلاك شيء منها إلا بعد امتلاك ما يعادل قيمتها من العملة الدولارية.


فإذا ارتفع الدولار انخفضت السلع وضعف الطلب والإقبال عليها، لأن الحصول على الأخيرة يستلزم امتلاك كمية أعلى من الدولارات، والعكس تماما عندما ينخفض الدولار فهو يسمح بالحصول على كميات أكبر من السلع مقابل دفع قيمة أقل من الدولارات.


يتابع المستثمرون بالأسواق حركة الدولار صعودا وهبوطا لتقييم مراكزهم بالأسواق أو زيادتها أو تخفيضها، حسب وضع وحالة الدولار، فكلما كان هذا البركان خامدا وفي سبات سمح لهم ذلك بالإقبال على الأسهم والسلع، بينما لو شعروا برغبة هذا البركان، كما نسميه، بالثوران وبداية اشتعال دخانه لأعلى نجد هؤلاء المستثمرين يتخلون بسهولة عما بين أيديهم من أسهم وسلع، وتبدأ موجات البيع في الأسواق حسب درجة غليان البركان - الدولار -، فأحيانا تكون عنيفة تشهد معها الأسواق موجات بيعية كبيرة، وتارة تكون متوسطة أو خفيفة تشهد خلالها الأسواق تراجعات طفيفة حتى يهدأ بركان الدولار.


في الآونة الأخيرة، شهد مؤشر الدولار - DXY - تذبذبات تميل للصعود، وكذلك شهدت الأسواق هي الأخرى بعضا من تلك التذبذبات الحادة، ومع ارتفاع العائد على السندات الأمريكية والخوف من ارتفاع التضخم الذي يؤدي بنهاية المطاف إلى رفع أسعار الفائدة، وبالتالي ارتفاع عملة الدولار من جهة وهبوط الأسواق من الجهة المقابلة.


الحقيقة: إن بركان مؤشر الدولار، كما نسميه، بقي خامدا منذ هبوطه في آذار (مارس) العام الماضي 2020 الذي أدى إلى تحقيق أسواق الأسهم والسلع لقيعان سحيقة آنذاك نتيجة وصوله لـ 103 بعدها دخل الدولار في موجة سبات عميق وموجة هبوط امتدت لأكثر من 13 في المائة - حيث هبط لما دون الـ 90 دولارا - وامتد هذا السبات لأكثر من عام معطيا الضوء الأخضر لارتفاع أسواق الأسهم وتحقيق أرقام تاريخية مدعومة بالتحفيز الكمي من "الفيدرالي الأمريكي" وتخفيض أسعار الفائدة، وكذلك ارتفاع النفط لأكثر من 300 في المائة من قاعه عند 15 دولارا عام 2020، لكن يبدو أن هذا السبات أو الخمود لن يطول أمده، فمن خلال تحركات الدولار الأخيرة يظهر أنه يرغب في الصعود والنهوض الذي سينعكس سلبا إذا ما حدث على أسواق الأسهم والسلع على حد سواء، كما ذكرنا في بداية المقال، عن العلاقة العكسية التي يعيشونها بينهم - خاصة أنه قد أكمل عاما كاملا في مرحلة السبات العميق.


من الناحية الفنية، نرى - والله أعلم - أن هناك رغبة لدى الدولار في الارتداد سواء كان ذلك ارتدادا مؤقتا أم استئنافا لموجة صاعدة جديدة، وفي كلتا الحالتين سيؤثر ذلك بشكل مباشر في الأسواق العالمية والمحلية أيضا.


فبعد مشوار طويل من الصعود خاضته الأسواق خلال عام فلا بد من استراحة نتمنى ألا تطول، لكن بعيدا عن مدتها أو نسبتها التي سيحددها ارتفاع الدولار بطبيعة الحال، فمن الضروري للمستثمرين متابعة الدولار هذه الفترة بشكل خاص، والابتعاد عن الشركات التي صعدت بقوة خلال الآونة الأخيرة، وستكون أكثر استجابة من غيرها لتحرك الدولار، والله وحده أعلم بالصواب.

نقلا عن صحيفة الاقتصادية

الندوات و الدورات القادمة
large image