كيف يؤثر الميزان التجاري والحساب الجاري في سعر صرف الدولار الأمريكي


إن جزءًا من الحساب الجاري في حساب الناتج الاجمالي المحلّي هو الميزان التجاري (والذي يكون دائمًا في حالةِ عجز)، وهذه الظواهر يتم تحليلها وذلك بربط بعضها ببعض. وسنمر على تأثير عجز الموازنة على سعر صرف الدولار لاحقًا.

دعونا الآن نتعرف على الميزان التجاري؟ ماهو الميزان التجاري؟


الميزان التجاري هو الفرق بين القيمة النقديّة للصادرات والواردات في اقتصادٍ ما في فترةٍ زمنيةٍ محددةٍ. فالبيانات الاحصائية المستخدمة في حساب الميزان هي القيمة الماليّة للصادرات والواردات والخدمات الموفرة.

إذا كان الميزان التجاري ايجابي، فذلك يُسمّى فائض تجاري (Trade Surplus)؛ أي أن الصّادرات تخطت الواردات. وإذا كان سالبًا فهذا يعني أن البلاد تعاني من عجز في الميزان التجاري؛ أي أن الواردات تخطت الصّادرات.

(يوضح الرسم البياني اعلاه حركة عجز الميزان التجاري بالولايات المتحدة الأمريكية)
يُعد فائض الميزان التجاري أو نقص العجز فيه من الأحوال المناسبة لتقدير العملة الوطنية

فائض في الميزان التجاري = ارتفاع سعر الصّرف

في وجود فائض في الميزان التجاري، تصبح العملة الأجنبية المتدفقة داخل البلاد أكثر من المتدفقة خارجها. وتستبدل العملة الأجنبية بأخرى محلّية، وينمو عرض العملة الأجنبية، مما يؤدي إلى هبوط سعر صرف العملة الأجنبية وارتفاع سعر صرف العملة الوطنية. أمّا في سيناريو تحقيق البلاد لعجز في الميزان التجاري، فإن العملة الوطنية سوف تستبدل بأجنبية لعمل التسويات الدوليّة، مما سيؤدي إلى زيادة المعروض من العملة الوطنية وهبوط سعر صرفها بينما ستنمو قيمة عملة الدول التي يوجد العجز بيينا وبينها.

المكتب الأمريكي لإحصاء السّكان (Census Bureau of the US) هو المسئول عن الإعلان عن أرقام الميزان التجاري، وتنشر المعلومات الخاصة به شهريًّا في الخميس الثالث من كل شهر.

دعونا الآن نتحدث عن الحساب الجاري Current Account يعكس الحساب الجاري تدفق الأموال من دولة ما ودول أجنبية أخرى في مدةٍ زمنيةٍ محددة. ويحتوي على الصّادرات والواردات، وحاصل الاستثمارات في البلاد الأجنبية والدخل من الاستثمار الأجنبي بالإضافة إلى باقي تدفقات الأموال والمساعدات. وهو ميزان التدفقات الماليّة الداخلة والخارجة للدولة. وفي نفس الوقت فالحساب الجاري لا يحتوي على أي تحويلات ماليّة لها علاقة بالتزامات ماليّة أو أصول يمكن أن تتصف بأنها معاملات ماليّة. إن تحليل الحساب الجاري يجعل من الممكن تحليل النشاط الاقتصادي الأجنبي داخل الدولة.

إن فائض الحساب التجاري (أو خفض عجز الحساب الجاري) أمر جيد بالنسبة لتقدير العملة الوطنية،وينشر الحساب الجاري بشكل ربع سنوي في يوم محدد بمنتصف الشّهر.

فائض الحساب التجاري = ارتفاع سعر الصّرف

بطبيعة الحال، لكل قاعدة شواذ وبما أننا نتحدث عن اقتصاد يعد من اكبر الاقتصاديات في العالم (الاقتصاد الأمريكي) دعونا نتسأل، في عام 2007 وصل عجز الحساب التجاري بالولايات المتحدة الأمريكية إلى 7% من الناتج المحلّي الاجمالي (أكثر من 8000 مليار دولار) والسّبب الرئيسي وراء ذلك هو العجز وذلك لأن الواردات من السّلع والخدمات تخطت الصّادرات بشكل ملحوظ. إذًا، كيف لم ينهار الاقتصاد الأمريكي رغم أن الأسر الأمريكية والشّركات والحكومة ينفقون أكثر مما يربحون وبالتالي فهم يدخرون أقل مما يستثمرون... ما السّبب وراء ذلك؟

إذا عرفنا أن العجز الامريكي يُموّل من خلال قروض أجنبية وأخرى من مؤسسات ماليّة عالميّة، مما يخلق تدفق مالي كبير من الموارد الماليّة الأجنبية كل سنة في الولايات المتحدة الأمريكيّة. 

على المستوى الدولي، نجد أن مجموع كافة الحسابات الجارية للدول يساوي صفر، أو بمعنى آخر، نجد أن فائض الحساب الجاري لدولةٍ ما يعوض العجز عند دولة أخرى، ومثال على ذلك: الحساب الجاري للصين، ودول جنوب شرف آسيا الأخرى إيجابي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. ذلك أن الصّين تتبع سياسة اقتصادية تعتمد على التصدير بكثافة، وتثبت سعر صرف عملتها الوطنية (اليوان) تجاه الدولار الأمريكي، ومن خلال حماية اليوان من تقدير قيمته، تكتسب الصّين ميزة تنافسية على المستوى العالمي. أيضًا نجد أن الفائض التجاري الصّيني يمنحها ميزات عند الاستمار الدولي بشكل عام؛ ذلك حيث تستثمر الصّين في الأسهم وسندات الخزانة الأمريكية مما يدعم سعر صرف الدولار ويموّل الإنفاق الحكومي والاستثمار في الولايات المتحدة.
يمتلك المستثمرون الأجانب نصيبًا كبيرًا من السّندات الماليّة القائمة (Outstanding U.S Securities) ويحصلون على فائدة من السّندات وحصص من أرباح الأسهم. فمثلًا: نجد أنّه من المربح للصين أن تستثمر في الأسواق الماليّة الأكثر سيولة بالولايات المتحدة، حيث أن فرص الاستثمار بالصين محدودة بسبب الفائض التجاري، ضف إلى ذلك أن الاستثمار بالولايات المتحدة أكثر جاذبية بفضل المعدلات العالية من التحرر والشّفافية التي نفتقدها في عالمنا العربي.

نحن نتفق مع الاقتصاديين على أن العجز في الحساب الجاري لا يمكن أن ينموا بشكل مبهم، إلّا أن إمكانية نمو الاقتصاد الأمريكي تقيدها ما تدفعه من فوائد الديون والقروض للمستثمرين الأجانب. كل هذه، بطبيعة الحال، سيصل في النهارية إلى استهلاك نسبة كبيرة من إنتاج الاقتصاد الأمريكي.

وكتوقع لمثل تلك التطورات، فإن كبار البنوك المركزية بالعالم تحاول أن تقلل من احتياطتها من الدولار الأمريكي وتقوم بتحويله لعملة مستقرة أكثر.. وأيضًا هناك دول أخرى اعلنت أنّها سوف تحول جزء من احتياطي الدولار لديها إلى عملات أخرى حتى تتنوع محفظة استثماراتها، فسعر الدولار الأمريكي يعاني ضغطًا شديدًا في سوق الفوركس.

والآن، هل هناك من حل مقبول لمشكلة الولايات المتحدة المتعلقة بعجز الحساب الجاري؟

سنحاول الاجابة على هذا السّؤال في مقالنا القادمة بإذن الله

شادي عبده

الندوات و الدورات القادمة
large image