قراءات في كتب ودراسات إدارة رأس المال .. 1

سأتحدث بكم بدءً من هذا المقال عن واحد من أهم الموضوعات التي تهم المتاجرين في الأسواق المالية، وهو إدارة رأس المال ومفهومها وتأثيرها، مع سرد بعضًا من تقنيتها التي ستحول الكثير من الكلام النظري إلى تطبيقات واقعية ملموسة، يمكنكم تجربتها وتنفيذها على أرض الواقع

سأسرد وألخص أهم ما وقعت عليه عيني من مواد تعليمية وتدريبية خاصة بالمخاطرة وإدارة رأس المال بأسلوب بسيط وسهل، آمل أن يحوز رضاكم، وأسأل الله تعالي أن ينفعكم به.

ولنعتبر مقال اليوم مدخلا ومقدمة لعالم إدارة رأس المال

في الفترة الأخير ازداد إقبال الناس على الأسواق المالية والمتاجرة فيها، ولعل السبب في ذلك هو قناعتهم بإمكانية جني أرباح ضخمة منها في أقل وقت ممكن، مما أدي إلى ظهور العديد من فئات المتاجرين الناجحين والخاسرين على السواء، ويمكننا أنه نلاحظ تلك الزيادة المتطردة في عدد المهتمين بأسواق الأسهم - مثلًا - سواءً بالمتاجرة أو الاهتمام والمتابعة الشخصية أو ممن يسعون لاستثمار مدخراتهم عن طريق صناديق الاستثمار أو شركات الوساطة المختلفة.

وهذا ما دعا بعض مختصي علم النفس والعلوم الإجتماعية لبحث ودراسة طبيعة شخصية هؤلاء ممن يسعون للربح في الأسواق المالية بهذا الشكل، أو محبي المخاطرة على حد تعبير هؤلاء العلماء، فوُجد أن سبب المخاطرة الغير محسوبة هو غالبًا الثقة المفرطة (Overconfidence)، ويطلق عليه أحيانا "الثقة العمياء"

فبالاختبار "وُجد أن الناس عادة ما تفترض نجاح احتمال معين وتزكيته عن باقي الإحتمالات دون وجود ما يدعم هذا الاحتمال أكثر من مجرد ميل شخصي مبني على إلمام ضعيف بواقع الأمور"، ومع نجاح هذا الاحتمال ولو بالصدفة وصدق توقعهم يزيد تقديرهم لمهاراتهم الشخصية بل أنه من الممكن أن يعتمدوا عليها بشكل أكبر مستقبلًا إدعاءً بأن لهم خبرة وتجربة في تلك الأمور مما يتسبب بدوره في دخول المزيد من الهواه وقليلي وربما عديمي الخبرة والمعرفة إلى السوق، وبالطبع الكثير من الخاسرين مستقبلًا

وناحية أخري يرى بعض علماء النفس والإجتماع أن المتاجرين في الأسواق المالية كغيرهم من البشر، إذا ما كذبت توقعاتهم (غير المؤكدة بدليل علمي) تجاه أحد الأمور ازدادت رغبهم في المخاطرة كمحاولة لإثبات صحة إعتقادهم، في حين لو صدقت توقعاتهم تبدأ شهية المخاطرة في الانخفاض خوفًا من خسارة ما تم تحقيقه من المحاولة السابقة، ولو ركزنا النظر إلى الحالتين السابقتين لوجدنا أنهم يلخصان حالة أغلب المتاجرين في الأسواق المالية.

ومن هنا نشأ الإهتمام بإدارة رأس المال كمحاولة لكبح حجم تلك الخسائر أو لتقييد المشاعر النفسية أثناء عملية المتاجرة لضمان عدم الوقوع ضمن الحالتين السابقتين

في نهاية التسعينيات من القرن الماضي قام الدكتور فان ثارب (Van K. Tharp) بشرح إدارة رأس المال والصفقات بمفهوم جديد أطلق عليه (تحجيم المراكز) (Position-sizing) أنطلاقًا من فكرة أنه لم يعد الغرض من إدارة رأس المال تقليل الخسائر أو تعظيم الأرباح فقط بل أن العملية إزدادت تعقيدًا عما كانت ذي قبل، فأصبحت - من وجهه نظر ثارب- هي عملية التحكم الكامل في كل مفردات الحساب والصفقات من تحديد وتحجيم عدد العقود ووأوقات التداول مع تحديد مراكز الدخول والخروج إلى ومن السوق ودراسة علاقات الأسواق المالية والمخاطر الناتجة عنها، وهو ما قام ثارب بالتعبير عنه نصًا بـ :

(Money management determines how much of available capital is to be allocated in a specific market position).

أيضًا قام جاك شويجر (Jack Schwager) في نفس الفترة تقريبًا بطباعة ونشر سلسته الشهيرة (Market Wizards) والتي لخص فيها رحلة نجاح أكثر من 40 متاجر من محترفي المتاجرة في الأسواق المالية، ويري الخبراء أن الفلسفة التي اختار بها جاك شويجر متاجريه بنيت على اختيار من استطاعوا تحقيق معدل ربحي دوري ثابت "غير تقليدي" طوال رحلتهم في المتاجرة في الأسواق المالية، أو على حد تعبير شويجر نفسه:

(Consistently high annual return or extraordinary growth).

ومن خلال البحث اتضح أن الأداء العام للمتاجر الذي يمكنه من تحقيق نسب محددة وثابتة من الأرباح والحفاظ عليها هو الفيصل في تقييمه كمدير جيد لصفقاته وبالتالي كمتاجر جيد على حسابه، بغض النظر عن آلية إدارته أو كيفية تعامله مع السوق (أياً كان نوعه) ونوع نظام التداول الذي يستخدمه في عملية المتاجرة.

وقد اختلف الأمر قليلًا الآن فمع البحث في الكتب والمقالات العلمية الحديثة وجد أن الغالبية العظمى من المهتمين بالأسواق المالية والتداول فيها اليوم منصبون بشكل كبير على شرح كيفية التعامل مع السوق؛ ليس من الناحية التقنية فحسب بل ومن الناحية النفسية والإدارية أيضًا، وبذلك أصبحت أولى خطوات علمية المتاجرة في سوق تبدأ قبل الشروع في دخول السوق إلى ما بعد إغلاق الصفقة بل ويهتم البعض الآن بتقييم ومتابعة صفقاتهم بشكل دورى كمحاولة للتطوير المستمر لأنظمتهم. ومن هنا دخلت مفاهيم معايير وحسابات ومعادلات جديدة لتقييم أداء المتاجرين.

وسأحاول معكم خلال مقالات قادمة متابعة وترتيب أهم تلك المفاهيم والحسابات والمعادلات إن شاء الله

في انتظار آرائكم وتعليقاتكم

تحياتي

الندوات و الدورات القادمة
large image