profile photo

تألّق الاقتصاد الأمريكي خلال عام 2021 ليحقق نموّاً بلغت نسبته 5.5%، ويعتبر هذا النمو في الناتج المحلي الإجمالي السنوي الأعلى منذ عام 1984 عندما حقق الاقتصاد حينها نموّاً بلغت نسبته 7.2%. وساهمت سياسات الفيدرالي الأمريكية التحفيزية وخطط الإنفاق الحكومية على دعم النمو الاقتصادي القوي بعد الركود الاقتصادي الذي تسببت فيه جائحة كورونا عام 2020 واعتبر أيضاً أسوأ انكماش اقتصادي منذ عام 1946 عندما انكمش الاقتصاد بنسبة -11.6%.

وتسبب النمو الاقتصادي القوي بزيادة في الإنفاق وسط أسعار فائدة صفرية استمرّت منذ مارس عام 2020 حتى مارس 2022، أي أن الاقتصاد استفاد من فائدة صفرية استمرّت لعامين، وخطط إنفاق فيدرالية بتريليونات من الدولارات. كما انخفضت معدّلات البطالة شهر مارس 2022 إلى أدنى مستوياتها منذ فترة ما قبل الجائحة عند 3.6%.

لكن، لا شيء بالمجّان! فمع التسارع بنمو الاقتصاد، بدأت معدّلات التضخّم ارتفاعها في الولايات المتحدّة منذ شهر مايو 2020 عند 0.1% بحسب مؤشر أسعار المستهلكين لتصل إلى 7.9% شهر مارس 2022، وبحسب القراءات الرسمية الصادرة من مكتب إحصاءات العمل، ارتفع التضخّم فوق 2% شهر مارس 2021.

كما ارتفع مؤشر سعر إنفاق الاستهلاك الشخصي الأساسي (Core PCE) المعتمد للفيدرالي كمقياس للتضخّم، إلى 5.4% شهر مارس، مما أجبر الفيدرالي الأمريكي على إجراء أوّل رفع للفائدة منذ عام 2018، وتم رفع الفائدة 25 نقطة أساس، لتصعد الفائدة من نطاق 0.00% - 0.25% نحو 0.25% - 0.50%.

وتوتّرت أسواق السندات الأمريكية، وارتفعت عوائدها السوقية لتلامس عوائد سندات الحكومة الأمريكية استحقاق عشر سنوات حوالي 2.5% لتظهر توقعّات الأسواق استمرار رفع الفيدرالي الأمريكي الفائدة. وبحسب مجموعة CME، تدّل عوائد السندات بأنه من المرجّح رفع الفائدة شهر مايو المقبل 2022 بنسبة 50 نقطة أساس، وهذا ما لم يستبعده رئيس الفيدرالي الأمريكي "جيروم باول" في تصريحاته مؤخّراً.

وتشير توقعات مجموعة CME أيضاً (بحسب إحصائيات 5-أبريل-2022 الساعة 09:05 صباحاً بتوقيت غرينتش) بأن احتمال رفع الفائدة كبير جداً طوال هذه السنة، وقد نشهد معدّل فائدة بين 2.50% و2.75% بنسبة احتمال 40%، بل إن كل التوقعات بحسب حركة أسواق السندات تظهر معدّلات فائدة محتملة أعلى من 2%.

ما الذي تسبب بارتفاع معدّلات التضخّم؟

بداية، جاء ارتفاع الإنفاق بعد جائحة كورونا السبب الرئيسي وراء الارتفاع في معدّلات التضخّم، ثم تبع ذلك أزمة سلاسل الإمدادات والتوريد، وأخيراً أتت الأزمة الجيوسياسية شرق أوروبا لتدفع بأسعار السلع والطاقة لارتفاعات هائلة. وبحسب تفاصيل التضخّم بمؤشر أسعار المستهلكين الصادر من مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، ارتفع أسعار الجازولين 38% وارتفعت أسعار الغذاء 7.9%، فيما صعدت أسعار السيّارات المستعملة بنسبة 41.2%.

بالتالي، نلاحظ بأن عدّة ظروف ساهمت في ارتفاع التضخّم الأمريكي نحو أعلى مستويات منذ 40 عاماً، وهذه هي الحقيقة التي دفعت الفيدرالي للتوجّه نحو تشديد السياسة النقدية والإشارة لاحتمالية تشديد السياسة على نحو متسارع عام 2022.

عوائد السندات تستجيب للتضخّم وتوقعات ارتفاع التضخّم

 العديد من الظروف تؤثّر في عوائد السندات السوقية، منها عوائد الفرص الاستثمارية البديلة مثل الأسهم، والتوقعات للنمو الاقتصادي المتسارع، وهذا يفسّر بداية ارتفاع عوائد السندات خلال النصف الثاني 2020 في الولايات المتحدّة بشكل قوي.

أما ارتفاع معدّل التضخّم فأصبح يعتبر داعماً آخر لعوائد السندات، فلا أحد يريد الاستثمار بسندات تُدرّ عائداً أقل كثيراً من التضخّم! ولهذا استمر الارتفاع في عوائد السندات التي استجابت بالأصل لتوقعات رفع الفائدة الفيدرالي.

عوائد السندات تتصرّف على نحو غير منطقي

معروف اقتصادياً بأن عوائد السندات ذات آجال الاستحقاق الأعلى أكبر من عوائد السندات ذات آجال الاستحقاق الأقل. لكن ما حصل في الأوّل من أبريل الجاري 2022 هو أن عوائد سندات الحكومة الأمريكية استحقاق عامين أصبحت أعلى من عوائد سندات استحقاق 10 أعوام!

هذا ما يسمّى بانعكاس منحنى العائد (yields invert)، وأصبح حينها عائد سندات عامين أعلى بـ 7 نقاط أساس عن عائد سندات استحقاق 10 أعوام، وتفسير هذه الحالة غير المنطقية التي طالما كانت مؤقّتة ولا تدوم كثيراً مقارنة بالوضع الطبيعي، هو أن الطلب على السندات طويلة الأمد أصبح يتطلّب خصماً على سعر السند الإسمي بنسبة مئوية أقل من الخصم المطلوب على سعر السند الاسمي ذو الأجل الأقل. وبكلمات أبسط، الطلب على السندات ذات آجال الاستحقاق الطويلة أصبح أكبر مقارنة بآجال الاستحقاق قصيرة الأمد.

وبتاريخ الخامس من أبريل الجاري 2022، في تمام الساعة 05:15 صباحاً بتوقيت غرينتش، بلغ عائد سندات الحكومة استحقاق عامين 2.439% فيما عائد السندات استحقاق عشرة أعوام بلغ 2.421% بفارق مقداره 1.8 نقطة أساس لصالح سندات استحقاق عامين.

إلى ماذا يدل انعكس منحنى العائد؟

منذ عام 1955، في كلّ مرّة انعكس فيه عائد السندات حصل ركود اقتصادي في الولايات المتحدّة الأمريكيّة، ولم تفشل هذه المقارنة إلا مرّة واحدة فقط. حتى أن انعكاس عوائد السندات تنبّأ بالركود الاقتصادي التابع لجائحة كورونا، رغم أن لا أحد علم بجائحة كورونا خلال منتصف عام 2019 عندما انعكس منحنى العائد!

من هذا المنطلق، نستطيع أن نقول بأن الاقتصاد الأمريكي ربما يتوجّه لركود اقتصادي من جديد بنسبة تأكد احتمالية كبيرة، وهنالك ما يدعم هذه النظرة الإحصائية فعلياً، فرفع الفائدة المتسارع المحتمل في الفيدرالي الأمريكي طوال عام 2022 والذي قد يمتد أيضاً لعام 2023 قد يضرّ بالنمو الاقتصادي في أكبر اقتصاد بالعالم، مسبباً توجهه للركود من جديد.

وهذه الدراسة الإحصائية موجودة حتى في بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، في دراسة تعود لرسالة اقتصادية نشرت شهر مارس عام 2018 بعنوان التنبؤات الاقتصادية مع منحنى العائد (Economic Forecasts with the Yield Curve).

الندوات و الدورات القادمة

أ. إبراهيم فوزي
أ. إبراهيم فوزي

تداول نموذج الدبل توب والدبل بوتوم بإحترافية

  • الاربعاء 07 ديسمبر 08:30 م
  • 120 دقيقة
سجل اﻵن

مجانا عبر الانترنت

أ. وائل مكارم
أ. وائل مكارم

قراءة فنية وإقتصادية ماذا ينتظر الأسواق في 2023

  • الاثنين 12 ديسمبر 08:30 م
  • 120 دقيقة
سجل اﻵن

مجانا عبر الانترنت

أ. محمد صلاح
أ. محمد صلاح

دمج التحليل الفني والأساسي لقراءة حركة الأسواق

  • الثلاثاء 13 ديسمبر 08:00 م
  • 120 دقيقة
سجل اﻵن

مجانا عبر الانترنت

large image