profile photo

دخل الاقتصاد الأمريكي خلال عام 2020 في أسوأ ظروفه منذ الحرب العالمية الثانية، وانكمش الاقتصاد خلال الربع الثاني من تلك السنة بنسبة تاريخية بلغت -31.2%. وتسببت جائحة كورونا في تغيّر في العادات الاستهلاكية، وارتفعت البطالة إلى 14.8%. وقام الفيدرالي الأمريكي إلى جانب حكومة الولايات المتحدّة بضخ تريليونات من الدولارات إلى الاقتصاد، مما دفع البطالة للانخفاض نحو 5.2%.

لكن حتى مع عودة الاقتصاد للنمو، ما تزال معدّلات البطالة أعلى مما كانت عليه قبل جائحة كورونا، فيما شهدنا تباطؤاً في التعافي الاقتصادي خلال 2021، بل وقد نشهد هبوطاً ملموساً في وتيرة النمو خلال الربع الثالث الجاري من هذه السنة، بفعل متحوّرت كورونا والتباطؤ الاقتصادي العالمي.

التضخّم في الولايات المتحدّة ارتفع إلى 5.4% بحسب مؤشر أسعار المستهلكين، وحتى مع انخفاضه إلى 5.3%، نجده بأنه ما زال قريباً من أعلى مستوياته منذ 2008، والتضخّم المرتفع يتسبب في إضعاف الإنفاق الاستهلاكي، وبالتالي قد يكون له تأثيرات لا يحمد عقباها لو استمر لفترة طويلة.

في العادة، تقوم البنوك المركزية بتشديد السياسة النقدية لدفع التضخّم للانخفاض، فيما تقوم البنوك المركزية بتسهيل السياسة النقدية لدفع عجلة النمو الاقتصادي.

حالياً، تشير التوقعات إلى أن البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد يقوم بتقليل تحفيزاته الاقتصادية، من خلال تقليص برامج شراء الأصول لاحقاً هذه السنة، وتبغ قيمة البرامج التي تشمل برنامج شراء السندات الخاص بجائحة كورونا إلى 120 مليار دولار شهرياً.

وتسب متحوّر دلتا من فيروس كورونا في إبطاء وتيرة النمو العالمي بشكل كبير، خصوصاً في دول شرق آسيا، بل وامتد التأثير أيضاً لدول أوروبية. كما من المتوقّع ألّا تكون الولايات المتحدّة بمعزل عن العالم، لتتأثّر هي الأخرى بمتحوّرة كورونا.

من هنا، نعود لسؤال عنواننا، ما الذي سيجبر الفيدرالي الأمريكي على بدء تقليص برامج شراء الأصول؟ خصوصاً وأن توقعات الفيدرالي الأمريكي نفسه تشير لاحتمال عودة هبوط التضخّم، وأن التضخّم سيكون "عابراً".

الأسواق المالية تتوقّع من البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أن يغيّر نوعاً ما توقعاته المستقبلية بالنسبة لأسعار الفائدة، وما يدعى بالـ Dot Plot، كان قد أظهر توقعات الفيدرالي "غير الملزمة" بأن الفائدة سيتم رفعها خلال عام 2023، لكن في اجتماع الأربعاء هذا الأسبوع، من المتوقّع أن يتم الإشارة لتوقّع رفع الفائدة خلال عام 2022. لكن، قد يظهر مدى جديّة ذلك من خلال لهجة الفيدرالي عند الحديث عن تقليص برامج شراء الأصول.

وتوقّع جي بي مورجان في آخر ورقة بحثية صادرة منه احتمال أن نرى قراءة أخرى ضعيفة لبيانات الوظائف الأمريكية، تابعة للقراءة السابقة التي كانت ما دون التوقعات، ويتوقّع أن يكون عدد الوظائف المضافة 333 ألف وظيفة تقريباً، بعد نمو مقداره 235 ألف وظيفة. لذلك، قد يكون السبب الرئيسي الذي سيجبر الفيدرالي على تسريع التقليص لبرامج شراء الأصول هو التضخّم.

رغم التوقعات في أن التضخّم سينخفض عن المستوى الحالي 5.3%، إلا أن هذا المستوى حتى لو انخفض يعتبر مرتفعاً، ولو وصل التضخّم بحسب مؤشر أسعار المستهلكين إلى نطاق بين 4.0% و3.5% هذه السنة، سيبقى أيضاً مرتفعاً مقارنة في معدّل 2.0% المناسب لأغلب البنوك المركزية.

خلال فترة رئاسة "آلان جرينسبان" للفيدرالي الأمريكي، تم اتهامه بأنه السبب وراء الأزمة المالية العالمية 2008، حيث تم الإشارة إلى أن تركه لمعدّلات الفائدة منخفضة لفترة طويلة من الزمن هو السبب وراء الفقاعات التي نشأت في الاقتصاد، وانفجرت حينها فقاعة المشتقات المالية المرتبطة في الرهن العقاري. والتضخّم هو أحد أهم الإشارات لاحتمال نشوء فقاعات مستقبلية.

والتضخّم بحد ذاته يعتبر مضرّاً بالتعافي الاقتصادي، إذ أنه يغيّر العادات الاستهلاكية، ويتسبب في انخفاض في الاستهلاك من ناحية كميّة السلع وليس قيمتها، بالتالي يضر في الإنتاج، وهنا ندخل في حلقة مفرغة بين الإنتاج والاستهلاك تتسبب بإضعاف التوظيف والنمو ثم الإنفاق فيما الأسعار مرتفعة، بالتالي يبدأ التعافي الاقتصادي بالتدهور.

وحتى يبدأ البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع الفائدة في وقت مناسب خلال النصف الثاني من عام 2022، يجب عليه أن يقلّص برامج شراء الأصول بوتيرة مقبولة، لكن دون أن يتسبب في هزّة في الأسواق المالية العالمية، فيجب أن يتم تقليص برامج شراء الأصول بوتيرة لا تتعدّى 20 مليار دولار شهرياً، مما سيجعل الفيدرالي بحاجة لـ6 أشهر حتى ينهي البرامج كاملة.

هنالك آراء تشير إلى أن الفيدرالي الأمريكي سيبدأ بتقليص برامج شراء الأصول فعلياً ابتداءً من الشهر المقبل أكتوبر، لكن البعض الآخر يرى في تصريحات رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي "جيروم باول" إشارة ضمنية إلى أن الفيدرالي لا يريد الاستعجال في بدء تقليص البرامج، إذ أكتفى بقول أنه "قد يكون من المناسب تقليص برامج في وقت ما هذه السنة"، ويعتقد أنصار توقع عدم بدء تقليص البرامج شهر أكتوبر في أن الفيدرالي لو أراد فعلاً البدء الشهر المقبل، فقد يشير بطريقة أكثر وضوحاً حتى لا يؤثّر بشكل كبير على الأسواق.

موضوع آخر مهم في الأسواق المالية، وهو أن مؤشرات الأسهم الأمريكية بدأت هبوطاً عنيفاً خلال الجلسات الماضية، وصدمة أخرى للأصول في أن يظهر الفيدرالي الأمريكي استعجاله في تقليص برامج الأصول، قد يكون لها وقع سلبي جداً على أسواق الأسهم.

في المحصلّة، التضخّم ومخاوف حصول فقاعات اقتصادية في المستقبل هو الأمر الذي سيجبر الفيدرالي على بدء تقليص برامج شراء الأصول، لكن من المرجّح ألّا يبدأ بذلك الشهر المقبل، بل قد يترك ذلك في وقت "ما" خلال الأشهر الثلاث المقبلة.

لكن، إذا أصرّ الفيدرالي على بدء تقليص برامج شراء الأصول الشهر المقبل أكتوبر، فهنا سيشير على الأرجح بأن التقليص سيكون تدريجياً جداً، ويظهر عدم الاستعجال في خفض البرنامج، بل قد يشير أيضاً إلى أنه سيكون مرناً من ناحية مقدار التقليص بحسب ما يتطلّبه الاقتصاد.

الندوات و الدورات القادمة

أ. محمد صلاح
أ. محمد صلاح

دمج التحليل الفني والأساسي لقراءة حركة الأسواق

  • الثلاثاء 13 ديسمبر 08:00 م
  • 120 دقيقة
سجل اﻵن

مجانا عبر الانترنت

أ. إبراهيم فوزي
أ. إبراهيم فوزي

المضاربة السريعة مع الترند والكيرف

  • الاربعاء 14 ديسمبر 08:00 م
  • 120 دقيقة
سجل اﻵن

مجانا عبر الانترنت

م. وليد أبو الدهب
م. وليد أبو الدهب

تقنيات الدايفرجنس الفنية

  • الخميس 15 ديسمبر 08:30 م
  • 120 دقيقة
سجل اﻵن

مجانا عبر الانترنت

large image