لماذا سيكون محضر الفيدرالي هام جداً؟ وما علاقته بالأزمة المالية العالمية 2008؟

يُصدر الفيدرالي الأمريكي محضر اجتماعه بعد ثلاث أسابيع من إعلان نتائج الاجتماع، وفي الاجتماع الأخير الذي صدرت نتائجه في الـ17 من الشهر الماضي مارس 2021، قرر البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تثبيت الفائدة عند أدنى مستوياتها تاريخياً بين 0.00% و0.25%، واستمراره في زيادة حيازته لسندات الخزانة بملا لا يقل عن 80 مليار دولار شهرياً، وما لا يقل عن 40 مليار شهرياً للأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري.

 

ورغم أن الفيدرالي الأمريكي أشار في توقعاته الاقتصادية بأن الاقتصاد سيحقق نموّاً تبلغ نسبته 6.5% هذه السنة، وهو الأعلى منذ 37 عاماً، وتوقعاته بارتفاع التضخّم إلى 2.4%، إلا أن بيان الفائدة أكّد بأن الفيدرالي سيستمر في سياساته التحفيزية للاقتصاد، خصوصاً سعر الفائدة المتدنّي جداً، لحين وصول أسواق الوظائف للتوظيف الكامل، وأن يستقر التضخّم عند مستوى 2.0% على المدى الطويل.

 

وقال رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي "جيروم باول" بأنه من الجيد "التحلّي بالصبر" بما يخص السياسات النقدية، وهذا ما يعطي انطباعاً بأن الفيدرالي الأمريكي سيستمر في سياساته التحفيزية حتى لو ارتفع التضخّم هذه السنة، وحتى لو تسارع نمو الاقتصاد، وذلك بتأكيد من إشارته لأن استمرار التعافي الاقتصادي في الولايات المتحدّة مرتبط بانتشار فيروس كورونا.

 

أما بالنسبة لمحضر الاجتماع، فيراقبه المتداولون من أجل زيادة دقة توقعاتهم بالنسبة لتوجهات أسعار الفائدة المستقبلية، من خلال كيفية تجاوب الأعضاء مع القرار الذي تم اتخاذه، كما ستتم متابعة آراء الأعضاء المصوّتين على برامج شراء الأصول المتنوّعة إن تم الكشف عنها، لتكون أدوات مساعدة في توقّع متى سيبدأ الفيدرالي بتقليص حيازته للسندات أو متى سيبدأ برفع الفائدة.

 

يبدو جليّاً بأن أعضاء الفيدرالي الأمريكي يركّزون على "التوظيف الكامل"، وحتى لو ارتفع التضخّم، سيدعمون إبقاء السياسات النقدية على ما هي عليه. لكن، بعدما صدرت بيانات الوظائف الأمريكية الأسبوع الماضي بإيجابية كبيرة، لتظهر انخفاض البطالة إلى 6.0% وارتفاع أعداد الوظائف الجديدة في القطاعات غير الزراعية بمقدار 916 ألف، فهذا سبب وجيه لأن تبدأ مراقبتنا لأي نقاشات داخل اجتماعات الفيدرالي قبل اتخاذ القرار النهائي الذي يصدر.

 

محضر اجتماع البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المنتظر اليوم الأربعاء سيوضّح بشكل أكثر دقّة توجّه الأعضاء بالنسبة لسياسات الفيدرالي، بل ربما ستظهر إشارات من بعضهم عن ما هي الشروط التي سيبدأ بعدها التفكير برفع الفائدة، أو حتى تقليص برامج شراء الأصول.

 

الاقتصاد الأمريكي مستمر في وتيرة التعافي، وبيانات مؤشر ISM لقطاع الصناعات التحويلية أظهر نمواً هو الأقوى منذ عقود، كما أن مؤشر ISM لقطاع الخدمات يظهر استمراراً في النمو. كل ذلك يعطي احتمالاً بأن نشهد ارتفاعاً في التضخّم خلال الفترة المقبلة من هذه السنة.

 

والسؤال الآن، ماذا سيفعل الفيدرالي في حال ارتفع التضخّم بشكل مبالغ فيه واجتمع ذلك مع مزيد من التعافي في أسواق العمل؟

يرى العديد من المتابعين للفيدرالي الأمريكي، وبعض المحللين في قسم الدراسات في مجموعة Equiti،  بأن الاحتياطي قد يبدأ برفع الفائدة عام 2022، رغم أن ما يسمّى بالدوت بلوت (Dot Plot) الذي صدر مؤخّراً يظهر بأنه على الأرجح سيبدأ برفع الفائدة في 2023. وسبب الاعتقاد بأن الفيدرالي لن يصبر حتى عام 2023 هو إشارات التعافي الاقتصادي القوية، والتي تهدد فعلاً بارتفاعات كبيرة في التضخّم. فقد لا يرغب الفيدرالي بأن يقع في مصيدة التضخّم من جديد كما حصل قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008 حين صعد التضخّم لمستويات فوق 5% بحسب مؤشر سعر المستهلك عندما بقي التضخّم مستقراً فوق 2% لفترة طويلة وفي أغلب الوقت بعدما قام رئيس الفيدرالي الأمريكي السابق "آلان جرينسبان" بإبقاء الفائدة متدنية لفترة مطوّلة من الزمن لإخراج الاقتصاد الأمريكي من الركود الذي تسببت فيه فقاعة الدوت كوم بداية الألفية الثانية.

 

بالتالي، لن ينسى المتداولون ولا الفيدرالي خطورة إبقاء الفائدة متدنية لفترات زمنية ممتدة، فأزمة عام 2008 التي عرفت بالأزمة المالية العالمية هي نتاج تضخّم سعري في الأصول وأدوات ومشتقات مالية عديدة، كانت شعلتها الفوائد المنخفضة في البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لفترة طويلة من الزمن، حيث بقيت الفائدة متدنية طوال الأعوام 2002 وحتى 2004 قبل أن يتم البدء برفعها بشكل تدريجي، لكن مستمر حتى عام 2007 مما تسبب بانفجار فقاعة الرهن العقاري لتبدأ الأزمة المالية العالمية الشهيرة في 2008.

 

التعافي الاقتصادي السريع في الولايات المتحدّة، وانخفاض البطالة المستمر وتسارع وتيرة تعافي أسواق العمل، يجتمع حالياً مع مستوى تضخّم بحسب مؤشر سعر المستهلك عند 1.7%، وخلال أشهر قليلة، من غير المستبعد أبداً أن نرى مؤشر سعر المستهلك فوق هذا المستوى بكثير، بل قد يصعد لأعلى كثيراً من توقعات الفيدرالي التي أشار لها عند 2.4%. فهل سيخاطر الفيدرالي بنشوء فقاعات جديدة في الاقتصاد؟ بالتأكيد لا.

 

لذلك، سيكون محضر اجتماع الفيدرالي الأمريكي الذي سيصدر اليوم أحد أهم الأوراق التي سيقدّمها الفيدرالي خلال الفترة الحالية، إذ أن المتداولين سيبحثون ويدققون على أي إشارات عن كيفية تعامل الأعضاء مع قرار الفيدرالي الأخير، ومن منهم يرى احتمالات لرفع الفائدة في وقت قريب، وما هي الشروط التي لو توافرت سيتم عندها تعديل السياسات النقدية في الفيدرالي.

 

ولذلك، إن صدرت أي مستجدات، أو إيضاحات عن توجّه الفيدرالي بصيغة مغايرة لما صدر في الدوت بلوت (Dot Plot) الذي كشف عنه الفيدرالي بعد القرار الأخير في الـ17 من الشهر الماضي، أو إن تم توضيح لشروط بدء رفع الفائدة وإيقاف برامج شراء الأصول، فقد يكون لمحضر اجتماع اليوم تأثير كبير على الأسواق المالية.

الندوات و الدورات القادمة
large image