ماذا يحدث فى فنزويلا ؟!

بعد عشرين عاما من تركه وظيفته الاولى كسائق للحافلات يبدو الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو متجها الى الاصطدام بجدار كبير صلب قد ينهى تجربته السياسية للأبد ، فبعد أنتخاب مادورو للمرة الثانية رئيسا لفنزويلا نهاية 2018 رفضت كثير من القوى العالمية و المحلية المحيطة به الاعتراف بشرعيته بعد تنصيبه فى يناير 2019 ، و هو نفس الشهر الذى شهد فى الثالث و العشرين منه على جانب اخر أعلان الشاب خوان جايدو " 35 عاما " رئيسا مؤقتا للبلاد بعد فوزه بمنصب رئيس برلمان فنزويلا فى الخامس من يناير 2019 ...

هكذا بدت معطيات الاحداث مستعدة للتفاعل الدولى الذى أعاد الى الاذهان فكرة المعسكرين الشرقى الداعم لسطة مادورو و الغربى الداعم لتثبيت أقدام الشاب جايدو ... فكلا من روسيا و الصين و إيران و تركيا و المكسيك و كوبا و حلفائهم أعلنوا دعمهم للرئيس الحالى نيكولاس مادورو الذى شغل منصب وزير خارجية فنزويلا بين عامى 2006 و 2012 قبل أن ينتخب رئيسا للبلاد فى عام 2013 بعد وفاة الزعيم التاريخى هوجو شافيز ...

بينما تقف على الجانب الأخر حيث المعسكر الغربى بقيادة الولايات المتحدة الامريكية كلا من فرنسا و المانيا و كندا و البرازيل و الارجنتين و باراجوى و تشيلى و حلفائهم بجانب المهندس الشاب خوان جايدو الذى لملم شتات المعارضة الفنزويلية و أستغل الغضب الواسع داخليا و خارجيا ضد مادورو ليعلن نفسه رئيسا مؤقتا للبلاد بصفته رئيسا منتخبا للبرلمان الحالى ...

  • لكن ما هى دوافع و أسرار الانقسام الدولى الراهن بشأن المشهد فى فنزويلا ؟! 


اولا ... الرئيس نيكولاس مادورو " 57 عاما " 

على مدار ست سنوات فى حكم البلاد اثبت مادورو تبنى نفس نهج رئيسه الراحل هوجو شافيز بل زاد عليه بدخول البلاد فى أزمات أقتصادية عنيفة فقد شهد عهد مادورو تضخم فى الاسعار يزيد عن مليون % و حذف أصفار كثيرة من العملة الوطنية و أختراع عملة رقمية موازية لتصدير نفط البلاد الذى أنخفض أنتاجه اليومى من 3.5 مليون برميل منذ أكثر من عشر سنوات الى 1.2 مليون برميل على أفضل تقدير ... مروروا بهروب الشركات العالمية من فنزويلا مثل كوكا كولا لنقص السكر و كذلك زيادات الاجور فى عهد مادورو الى اكثر من 15 مرة لمواطنى بلاده الذين نزح نحو 8 %  منهم " نحو 2.3 مليون شخص " الى الدول المجاورة ...

فنزويلا الشهيرة بأعلى أحتياطى نفطى فى العالم يقارب 300 مليار برميل و التى تعتمد عائداتها على نحو 98% من صادراتها النفطية ، تمتلك أيضا رصيدا مهما من الغاز و الحديد و الذهب و الالومونيوم ... لكن الفساد المتراكم من قبل مادورو و المستفحل فى فترة حكمه جعلها تتصدر أغلب المؤشرات الاقتصادية السلبية على النحو التالى ...

انخفاض الناتج المحلى الاجمالى الى 131 مليار $ من 432 مليار $ فى قبل عشر سنوات 
التضخم الشهرى فى الاسعار بلغ 144 % 
معدل البطالة الرسمى بلغ نحو 24 % 
عدد السكان تحت خط الفقر بلغ 38 %
المركز التاسع عالميا فى اكثر الدول فسادا حسب منظمة الشفافية الدولية 

و حسب بيانات البنك الدولى فقد يلزم فنزويلا " العضو فى منظمة اوبك " بعد أجتياز حقبة مادورو نحو 120 $ لبرميل النفط مع رفع صادراتها الى قرب 3 مليون برميل يوميا رغم الصعوبات الفنية ليعود اقتصادها الى مستواه العادى قبل رحيل شافيز فى 2013 

كل هذة الاسباب و أكثر دفعت الغرب للتكتل ضد سياسات مادورو الذى بالطبع لن يعيش نظامه دون حلفاء دوليين داعمين له أبرزهم روسيا بوتين الحليف الاقتصادى المهم لفنزويلا مادورو حيث شركة " روسنفت " الروسية العملاقة التى تعد أكبر مستثمر استراتيحى لقطاع النفط فى فنزويلا بأستثمارات تفوق  3.5 مليار $ من أصل 4.2 مليار $ حجم الاستثمارات روسيا الاجمالية فى فنزويلا ، بجانب القروض الروسية التى حصل عليها نظام مادورو و التى بلغت نحو 6 مليار $ منذ عام 2014 ، بالأضافة الى أشارة بيانات روسنفت بشأن أستحقاقها لنحو 3.1 مليار $ ديون على فنزويلا فى قطاعات أخرى بخلاف النفط ...

التعاون الروسى الفنزويلى لم يقتصر على الجانب الاقتصادى بل أمتد بحكم التاريخ و الموقع الى الجانب العسكرى أيضا الذى شهد أخر عام 2018 تزويد روسيا للقوات المسلحة الفنزويلية بقذائف أستراتيجية قادرة على حمل رؤوس و أسلحة نووية تعزز من موقفها حال إقدام الولايات المتحدة الامريكية على التدخل العسكرى فى فنزويلا .

ثانيا ... الرئيس المؤقت خوان جايدو " 35 عاما " 

قبل عشر سنوات و فى عهد الرئيس الراحل هوجو شافيز العسكرى صاحب المنهج الاشتراكى الصرف ، أسس مهندسا صناعيا شابا يدعى خوان جايدو حزب إرادة الشعب فى عام 2009 ليبدأ رحلته السياسية التى توجها بفوزه الساحق برئاسة برلمان فنزويلا 2019 كأصغر من يتولى هذا المنصب فى البلاد التى وجد شعبها فى جايدو فرصة مدنية منفتحة للتخلص من ارث شافيز و مادورو المدمر أقتصاديا ...

سرعان ما راق نموذج جايدو للدول الغربية المناهضة لحكم مادورو و تجلى ذلك فى الدعم الأمريكى و البرازيلى المبكر فور فوز جايدو برئاسة البرلمان و اعلانه عن مظاهرات حاشدة لأسقاط مادورو المغتصب للسلطة حسب تعبيره فى 23 يناير الجارى ، و التى أتت بالفعل بثمارها حيث تنصيب نفسه رئيسا مؤقتا للبلاد و أنحياز جانب كبير من الشعب داخليا له و كذلك اعتراف فورى من الدول الامريكية بشرعيته ...

يزداد الدعم الخارجى لسلطة خوان جايدو بعد تأكييد وزير الخارجية الامريكى مايك بومبيو على عدم اعتراف بلاده بسلطة مادورو و تأييدها المعلن لجايدو الذى يواجه صعوبة حقيقة فى عدم الانحياز الرسمى من جانب القوات المسلحة فى فنزويلا له و ابقائها على دعم مادورو حتى الآن ... و هو الأمر الذى يحاول جايدو تداركه بتعهده بالعفو الشامل عن المسئولين من الحكومة و الجيش المتعاونين مع مادورو و أعتزامه إجراء انتخابات رئاسية نزيهة و شفافة بأشراف المجتمع الدولى ... و كذلك أعادة النظر فى تقديم ضمانات و تطمينات للدول صاحبة الأستثمارات الخارجية فى بلاده خاصة روسيا ...

كما أن الموقف الامريكى حسب الرئيس ترامب لا يستبعد تدخلا عسكريا فى فنزويلا لحسم الأمور لصالح جايدو الذى تصدر بلاده نحو 7 % من واردات النفط الامريكية ، و هو الأمر الذى دعا ترامب إلى تشديد لهجته بفرض عقوبات أقتصادية متوقعه على قطاعات النفط و الذهب و التصنيع فى فنزويلا كخطوة اولى لأزاحة مادورو الذى قطع علاقاته رسميا مع واشنطن ...

 

  • أخيرا و بعد كل ما سبق تبقى الاسئلة... من يحسم المشهد فى فنزويلا خاصة قبل أجتماع أوبك القادم فى ابريل 2019 الذى قد يشهد خلافا دوليا واضحا على ثنائية تمثيل سلطة فنزويلا عضو أوبك منذ عام 1960 ؟! ... و متى و بأى كلفة ستعود فنزويلا بثرواتها المهولة الى ما تستحقه من نمو و استقرار كرافد مؤثر فى الاقتصاد العالمى ككل ؟!
الندوات و الدورات القادمة
large image