دراما الليرة التركية

أفتتحت الليرة التركية مشهد عام 2018 بتداول عند مستوى 3.78 ليرة امام الدولار الواحد ، لتتراجع بوتيرة منتظمة خلال النصف الاول من العام الجارى الى مستوى 4.92 ليرة بخسارة اكثر من 21 %

حركة تداولات النصف الاول كانت انعكاس طبيعى للظلال السلبية التى خيمت على اداء الاسواق الناشئة من جانب ، و لأعادة ترتيب البيت السياسى الداخلى بشكله الرئاسى الحالى بعد انتخابات يونيو 2018 التى كرست الحكم بشكل كامل فى يد الرئيس رجب اردوغان من جانب اخر ، بالأضافة لأضطراب العلاقات التركية الامريكية وقتها لتداخل القضايا المعلقة من سوريا و العراق الى بقاء المعارض فتح الله جولن فى الولايات المتحدة و احتجاز القس الامريكى اندرو برانسون فى تركيا منذ 2016

كانت الولايات المتحدة فرضت فى مارس 2018 رسوما جمركية على واردات تركيا من الالومونيوم بنسبة 10 % و الحديد و الصلب بنسبة 25 % ، لترد عليها تركيا بفرض رسوما على منتجات امريكية بقيمة 1.8 مليار $ تدر لتركيا دخلا يقدر 267 مليون $ يعادل تقريبا الايرادات الامريكية من الرسوم المفروضة على منتجات تركيا

مشهد النصف الثانى من 2018 كان اكثر درامية على شرف الليرة التركية التى خسرت فى تداولات العاشر من اغسطس نحو 15.9 % دفعة واحدة لتسجل بعدها بيومين اقل مستوى لها امام الدولار عند 7.23 ليرة بعد اشتعال حرب التصريحات بين ترامب و اردوغان الذى اتهم الاول بقيادة حرب اقتصادية ضد بلاده لرفض محكمة تركية فى 25 يوليو اطلاق سراح القس الامريكى اندرو برانسون  ... و هو الامر الذى دفع ترامب لشن عاصفة سريعة بفرض رسوم جمركية مضاعفة على منتجات تركيا من الالومونيوم و الحديد الصلب بنسب 20 % و 50 % على التوالى ، لترد تركيا بالمثل بفرض رسوما جمركية على قائمة واسعة من المنتجات الامريكية وصل بعضها الى 100 %

هنا كانت ذروة المشهد بين الندين الذى تناولته اغلب الدوائر الاعلامية العربية بعين السياسة اكثر منه بعين الاقتصاد المتراجع بالأساس فى تلك المنطقة من العالم ... و ربما كان الاعلام العربى على حق فى النصف الاول من الرواية فقط حيث التناول السياسى المؤثر على سير الاحداث ، و لكن التمادى فى السرد السياسى السلبى اثر بشكل بالغ على صحة توقع اداء الاقتصاد التركى الذى استطاعت عملته التعافى و استرداد قيمتها حتى مستوى 5.26 ليرة امام الدولار من خلال مرونة ايجابية مع المعطيات المفروضة عليها


قبل اقل من شهر على الانتخابات النصفية الامريكية قدمت تركيا للرئيس ترامب هدية انتخابية بأفراجها عن القس الامريكى اندرو برانسون فى 12 اكتوبر الماضى ، لتبادلها الولايات المتحدة الود السياسى بمشاركة اقتصادية بتغطية مستثمرين امريكيين لنحو 60 % من اصدار سندات تركية بقيمة 2 مليار $ بفائدة 7.5 % فى 17 اكتوبر الماضى ... لتتوالى التفاهمات بين الجانبين فى العديد من الملفات المشتركة من الاعفاء الامريكى لتركيا من حظر استيراد النفط الايرانى ، مرورا بأشادة ترامب بنظيرة التركى فى اكثر من مناسبة رغم اعلان اردوغان رفضه الألتزام بالعقوبات الامريكية على ايران خاصة فى مجال استيراد الغاز ،  وصولا الى التنسيق الاخير فى 23 ديسمبر الجارى بأبطاء الانسحاب الامريكى من سوريا و توسيع نطاق التجارة بين البلدين و تخفيف متبادل للرسوم الجمركية على منتجاتهما  ... لينطبع ذلك على اداء الليرة التركية التى تواصل مكاسبها امام الدولار رغم جراح العام الحالى التى اصابتها بخسائر افقدتها اكثر من 40 % خلال عام 2018 ...

هذا التوالى يدفعنا للسؤال ... هل تعكس الليرة اتجاهها فى 2019 رغم نذر المخاطر العالمية و ترمم ما حدث لها فى 2018 ؟!

 

  • اخيرا ... مسلسل العلاقات التركية الامريكية خاصة فى 2018 يؤكد بشكل واضح صحة مقولة " السياسة تقود الاقتصاد " ، و يعطى درسا فى عدم الانحياز الاعلامى الكامل فى تناول قضية ما من جانب واحد و دون تقدير أثر المتغيرات المستقبلية ...  كما يضرب مثال حى على من يريد فهم سلوك ترامب السياسى و الاقتصادى الذى يبدأ غالبا بعاصفة مثيرة غائرة النوايا تنتهى الى نتائج عادية لا تتسق مع صخب البداية .
الندوات و الدورات القادمة
large image