شفرة جاستا

الجرأة ليست استراتيجية بل هى اداه تكتيكيه فى لحظة مناسبه ... بعين تلك الحكمه المفيده يمكننا الانتقال من حالة الدهشه امام التطورات الدوليه الى حالة الفهم المباشر لها ... و قد كان عام 2016 جريئا الى حد كبير فى طرح معطيات الاحداث القادمه التى تتشابك خيوطها الآن فى الشرق الاوسط ، و لنا ان نمر على اهم اشارات الماضى القريب لفهم تفاعلات الحاضر العجيب  ...

1-  يناير 2016 ... شهد اول هذا الشهر خطاب حالة الاتحاد الذى القاه الرئيس الامريكى السابق باراك اوباما و الذى اشار فيه بوضوح الى نجاح خطة ادارته التى اطلقها فى 2009 لخفض استيراد النفط من الشرق الاوسط من 46 مليون برميل شهريا الى ما دون 30 مليون برميل شهريا و التخلص من طوق النفط خلال 20 عاما قادمه على اقصى تقدير ... تزامن مع ذلك بدء سريان  الاتفاق النووى مع ايران برفع العقوبات عنها فى اجواء قاسيه لأسعار النفط اسفل 30 دولار للبرميل تحققت فى النصف الثانى من يناير 2016


جرأة هذا المشهد المكثف فرضت على المملكه العربيه السعوديه التعامل مع واقع جديد سياسيا و اقتصاديا ... واقع مرحلى يؤثر فى الملفات المفتوحه مع ايران خاصة و يزيد من التحديات الاقتصاديه التى تواجهها ميزانية المملكه ...

2 -  مارس 2016 ... صرح السيد عادل الجبير وزير الخارجيه السعودى بأستعداد بلاده تسييل نحو 750 مليار دولار من استثماراتها فى الولايات المتحده الامريكيه حال تمرير قانون العداله ضد رعاة الارهاب لأدانه المتورطيين فى احداث 11 سبتمبر 2001 و المعروف اختصارا بقانون ( جاستا ) ... تزامن مع هذا التصريح كشف نية مباشر من دونالد ترامب المرشح الرئاسى وقتها تجاة دول الخليج بأنها محفظه ماليه كبرى يجب ان تحلبها امريكا لصالح سداد ديونها البالغه 20 تريليون دولار ...

هنا لنا ان نتوقف امام الطرح السعودى الجرىء و العلنى كرد فعل استباقى رسمى على قانون لم يصدر بعد ... رغم ان هناك صعوبات فنيه و عمليه تواجه هذا التسييل المالى الضخم الذى يفاقم كثيرا من العجز الاقتصادى الامريكى ... و لنا ان نتوقف امام رؤية ترامب الذى صار رئيسا للولايات المتحده بعد 7 اشهر من تصريحه الصادم ... و نتسأل ما الذى جرى فعلا لتتغير تلك المواقف فيما بعد ؟!

 - 3 سبتمبر 2016 ... فى الثامن و العشرين من هذا الشهر وافق الكونجرس الامريكى بأغلبيه ساحقه من الديموقراطيين و الجمهوريين على تمرير قانون جاستا و الاسقاط الوحيد لفيتو اوباما طوال 8 سنوات امام هذا القانون الذى يسمح لعائلات ضحايا سبتمبر بمقاضاه المؤسسات و الدول الداعمه و المتورطه فى احداث 11 سبتمبر 2001 امام القضاء الامريكى ضاربا عرض الحائط بمبدأ الحصانه السياديه للدول ... و فى نفس اليوم ابدت ايران خلال اجتماع الجزائر النفطى مرونه كبيره فى اتفاقها على خطة خفض انتاج النفط بنحو 800 الف برميل شهريا لأستعادة توازن الاسعار و هو ما حدث بالفعل حاليا ...

مشهد سبتمبر 2016 كان بمثابة لحظة الحقيقه التى تواجهها المملكه العربيه السعوديه بكافة اداواتها السياسيه و الاقتصاديه حتى الان ...

4 - من مارس الى يونيو 2017 ... فى تلك الفتره جرت مياه كثيره فى النهر بداية من تحول السعوديه من تهديدها بسحب استثماراتها فى الولايات المتحده الى الوعود بضخ المزيد من الاستثمارات ، مرورا بالزياره التاريخيه للرئيس ترامب للمملكه فى مايو و توقيع اتفاقيات اقتصاديه تتجاوز 400 مليار دولار بين البلدين ... وصولا الى الازمه الخليجيه مع قطر فى يونيو و تنصيب الامير محمد بن سلمان وليا للعهد فى السعوديه ...

مشاهد الشهور الاربعه لم تخلو فى الحقيقه من الظل الثقيل لقانون جاستا المرتبط سياسيا بقضية الارهاب و اقتصاديا بقيمة التعويضات المهوله حال تطبيقه  ، و إن لم يتم تناول ذلك اعلاميا لتفوق صخب الاحداث الجاريه على السكون الحذر للقانون الخطير الذى وعد الرئيس ترامب بتعديله فى 2018 للتفريق بين الاشخاص و الهيئات المتورطه فى هجوم 11 سبتمبر و الحكومات الداعمه لهم ...

  • و لحين تعديل القانون الذى يحظى بتأييد امريكى واسع على كافة المستويات يجب تهيئة الاجواء لذلك بفتح ملفات الخليج العربى على مصراعيها على النحو التالى ...


اولا ... اعادة النظر فى دور ايران على ساحة الشرق الاوسط بعد الاتفاق النووى خاصة مع ظهور لاعبين جدد يختلفون حوله ( ترامب و ماكرون و بن سلمان  ...( و من جانب اخر طفو النفوذ الايرانى بوضوح فى سوريا و العراق و لبنان و اليمن الذين يعانون فوضى ليست جديده و لكنها مستنزفه لمن يخوض غمارها... و هو التحدى الخارجى المباشر للمملكه العربيه السعوديه ...

ثانيا ... رغم تداول الاسباب المؤديه مسبقا للازمه الخليجيه مع قطر ، الا ان اختيار توقيت نشوبها يدعو لربطها مع قانون جاستا ايضا الذى يبحث عن واجهه محدده تتلقى تهم دعم و تمويل الارهاب ... و يبدو ان مرحله الازمه الخليجيه ما هى الا اداه تكتيكيه ستنتهى حين الاتفاق على نصيب كل طرف فى تعويضات القانون و المساهمه  فى سد الدين الامريكى عبر تدفق الاستثمار المباشر ...


ثالثا ... يبدو ان حملة مكافحة الفساد التى اطلقتها المملكه العربيه السعوديه فى نوفمبر الجارى بتوقيف اكثر من 200 شخصيه سياسيه و اقتصاديه بارزه و تجميد حساباتهم البنكيه ، يبدو ان لها ابعاد اخرى بعيده متربطه بالتعديل المقترح لقانون جاستا الذى يفرق بين الشخصيات الداعمه و المموله لمنفذى هجوم سبتمبر 2001 و بين حكومات الدول التى تتمتع بالحصانه السياديه امام القضاء الامريكى ...

و ربما يلقى هذا الطرح استغراب الكثريين ، الا انه بالتحليل المنطقى نجد ان الامير محمد بن سلمان قد عزز بالفعل سلطته السياسيه بتولى منصب ولى العهد فى المملكه منذ 5 اشهر و يواصل تعزيز سلطته الاقتصاديه بالاستعداد لطرح ارامكو فى النصف الثانى من 2018 و التى يتناقض طرحها فى الاسواق الامريكيه مع وجود تهديد محتمل بتجميد اموال المملكه فى الولايات المتحده حال سريان تعويضات جاستا ... كما ان الامير بن سلمان اعلن فى مؤتمر عالمى قبل فتره وجيزه عن مشروع نيوم الاقتصادى العملاق تحقيقا لرؤية المملكه 2030 التى تتشابك مع مصالح الاقتصاد العالمى ...

  • اذن الرجل ليس متعجلا على ترتيب الاوضاع الداخليه و الخارجيه  الا لأسباب اكبر من تعزيز سلطته المتحققه بالفعل ... و من هنا تتناقض القرارات الاخيره مع كونها استراتيجيه مستمره فى ظل استعداد الاقتصاد السعودى لمرحلة ما بعد النفط ،  لتبدو جرأة تلك القرارات كأداه مرحليه و تكتيكيه لتجاوز اخطار مستقبليه متعلقه بقانون جاستا ... و هذا ما سوف تفصح عنه الايام بالفعل .

 

الندوات و الدورات القادمة
large image