جولة خليجية واتحاد منتظر

تصدر هاشتاق «الملك سلمان في جولة خليجية» شبكة التواصل الاجتماعي «تويتر» لأيام متتالية؛ وكان مرجعًا لأخبار الزيارات الملكية والصور والفيديوهات وتعليقات الخليجيين.

صور جميلة من التلاحم والاندماج والاستقبالات الشعبية الحاشدة التي تؤكد عمق العلاقات الأخوية والمشاعر المتبادلة والانتماء لكل دولة خليجية يصلها القادة في زياراتهم المتبادلة.

كان لافتًا تصدر بعض المواقف العفوية لخادم الحرمين الشريفين وسائل الإعلام الخليجية؛ التي احتفت بالزيارات الملكية بشكل استثنائي؛ تعكس أهمية الضيف أولاً؛ وما قد ينتج عنها من مخرجات تدعم التكامل؛ وتؤسس للاتحاد الخليجي المنتظر.

زيارات رسمية؛ تجاوزت في معانيها الزيارات البرتوكولية المعتادة؛ لتؤسس لعهد جديد من ثقافة الاندماج الحقيقي الذي يصبو إليه الجميع. لم تكن الجولة الخليجية بعيدة عن رؤية التكامل الذي أكَّد عليها الملك سلمان في قمة الرياض؛ والمفضية إلى ولادة الاتحاد الخليجي. لا يمكن أن تنجح المملكة بجهودها في جمع الدول الإسلامية والعربية وباتفاقيات أمنية واقتصادية تاريخية دون أن يكون لها جهد أكبر في تطوير منظومة مجلس التعاون؛ والانتقال بها إلى مرحلة التكامل الشامل ثم الاتحاد.

تعمل المملكة على أربعة محاور مختلفة؛ بدءًا من الثلاثة الرئيسة، المحور الإسلامي والعربي والخليجي؛ الهادفة إلى تشكيل تكتل نموذجي يضمن تحقيق التنمية ويرسخ الأمن ويزيد في عرى العلاقات الاستراتيجية التي تبنى على المصالح المشتركة وتؤطر بالاتفاقيات الملزمة؛ وترفد بالشراكات الاقتصادية التنموية التي أعتقد أنها قاعدة الاستدامة في العلاقات السياسية المتشعبة؛ ثم الانتقال إلى المحور الدولي المهم الذي لا يعترف إلا بمنطق القوة والعمل الجماعي المنظم والمؤثر في العلاقات الدولية.

أسهمت رؤية الملك سلمان في إحداث التغيير الأمثل في العمق السياسي الإسلامي والعربي؛ إضافة إلى العمق الخليجي الذي يشكل القوة المؤثرة لجميع دول المجلس. قد تكون الشراكات الاقتصادية والتنموية من الأدوات المهمة التي اعتمدت عليها المملكة في تحقيق رؤيتها المستقبلية؛ غير أنها نجحت في استثمار عمقها الإسلامي والعربي والدولي وقدراتها القيادية في تشكيل التحالفات المؤثرة في المنطقة والهادفة إلى تحقيق الحماية التامة للدول الإسلامية والعربية.

مجلس التعاون الخليجي هو أحد مرتكزات القوة؛ لما يتمتع به من مقومات سياسية واقتصادية؛ بل هو النواة الحقيقية لأي تكامل عربي إسلامي؛ حيث القيادة والتوجيه والدعم. يعطي اتحاد دول الخليج قياداته عمقًا واستقرارًا وقوة تأثير في المجتمع الدولي؛ وهذا ما تحتاجه اليوم من أجل ضمان أمنها واستقرارها أولاً ثم تحقيق رفاهية شعوبها والمساهمة الفاعلة في تنمية المنطقة ودعم اقتصادها وبما يعود بالنفع على لجميع.

التحديات الأمنية والعسكرية في المنطقة؛ إضافة إلى التحديات الاقتصادية؛ التي يبدو أن دول الخليج قد تعاني منها إن لم تسارع في مواجهتها من خلال التكامل أولاً؛ ثم التخطيط الاستراتيجي القائم على تنويع مصادر الاقتصاد والدخل؛ واستدامة النمو؛ إضافة إلى القدرة على خلق الفرص الوظيفية لمواجهة الطلب المتنامي عليها. وبرغم أهمية التحديات المتوقع مواجهتها؛ إلا أن التحدي الأمني هو الأكثر تأثيرًا على استقرارها؛ وبالتالي تأثيره على المتغيرات الأخرى وفي مقدمها المتغيرات الاقتصادية والتنموية.

إعلان الاتحاد الخليجي هو السبيل الأمثل لمواجهة تلك التحديات مجتمعة؛ وبخاصة التحدي الأمني؛ والمتمعن في الاهتمام الشعبي الكبير لزيارات خادم الحرمين الشريفين يمكن أن يرى فيها تصويتًا شعبيًا لقيام الاتحاد الخليجي؛ ما يستوجب التحرك السريع نحو تحقيق مكوناته الرئيسة.

الدور المسؤول الذي تمارسه المملكة؛ ويقوم به خادم الحرمين الشريفين لجمع الكلمة الخليجية وتحقيق التكامل الشامل؛ لا يلغي بأي حال من الأحوال الدور المهم لجميع الدول الخليجية وقادتها؛ والذين يشكلون فيما بينهم الجسد الواحد الذي يعتمد على أطرافه المتعددة. فرصة قيام الاتحاد الخليجي قد لا تتكرر لو أهدرت اليوم؛ فالظروف الحالية ربما سهلت قيامه بعد توفيق الله وبركته. وعي الشعوب الخليجية؛ وحكمة قادتها؛ واللحمة الشعبية؛ والعلاقات الدولية النوعية تستوجب التحرك السريع لإحداث التغيير المنشود.

حضور رئيسة وزراء بريطانيا «تيريزا ماي» القمة الخليجية بالبحرين ربما يكون من الرسائل المهمة التي تستدعي قراءتها بتمعن. التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ والبدء في ترتيبات الخروج؛ قد يسهم في خلق شراكة بينها وبين دول المجلس مجتمعة؛ خاصة أنها الحليف التاريخي لأغلبية دول المنطقة. التغير في السياسة البريطانية يمكن ملاحظته في تحركات رئيسة الوزراء الأخيرة؛ والتراجعات التي فرضت على وزير خارجيتها بعد تصريحاته الأخيرة ضد السعودية. زيارة الوزير بوريس جونسن وتأكيده على حق ا لمملكة في الدفاع عن أراضيها وحديثه عن علاقات بلاده التاريخية معها يشير إلى تراجعه وعودته لتنفيذ الأجندة البريطانية الجديدة تجاه المنطقة وليس السعودية فحسب.

عودًا على بدء؛ أعتقد أن جولة الملك سلمان الخليجية؛ فتحت الباب على مصراعيه لقيام الاتحاد الخليجي الذي أؤمن بأنه أصبح واقعًا معيشًا وإن لم يتم الإعلان الرسمي عن قيامه؛ والأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت الجميلة.

نقلا عن صحيفة الجزيرة

الندوات و الدورات القادمة
large image