اقتصـــاد البندول

«جوهر الخداع هو تشتيت الانتباه».. وهذا هو عمل بندول الساعة الذي رغم حركته المنتظمة إلا أنه غامض يتدلى من قوة محورية تحركه يمينا ويسارا، متأثرا بالجاذبية ليستقر في نقطة توازن ويتأرجح من جديد، فبعد إعصار النفط القادم من فوق المئة دولار للبرميل إلى محيط الثلاثين دولارا يعيش اقتصاد العالم الآن أجواء البندول.

وقد بردت مؤشرات التحليلات والتوقعات وتشابهت إلى حد كبير، فمن أقصى اليمين 35 دولارا للبرميل إلى الخمسينات فى أقصى اليسار ، فلا جديد غير مناورات التصريحات السياسية والاقتصادية ليهتز بندول النفط بين تأكيد ونفي مطالب تخفيض المعروض ومساعي تجميد الإنتاج...
والمثير أن الولايات المتحدة الأمريكية الآن هي أقل دول العالم تصريحا عن النفط، فلم يسجل لها مسعى واحد للتخفيض أو التجميد، بل ترفض رسميا في أحيان كثيرة المشاركة والتعقيب على اجتماعات دول من أوبك مع دول من خارج أوبك...
الولايات المتحدة تكتفي فقط بإصدار بيانات أسبوعية عن مخزونات قياسية جديدة لديها وعدد المنصات وما يخدم صناعة النفط الصخري.
إذن القوة المحورية التي تمسك ببندول الاقتصاد العالمي مطمئنة الآن إلى حركته بعد أن زرعت في الجاذبية بذورا لتباطؤ النمو في الصين الذي يقلق اقتصاد العالم وتثاقل بنوك أوروبا بالديون والضربات القاضية للعملات الأخرى، حتى أن البنوك المركزية في العالم باتت تتجمل في تصريحاتها أكثر مما تظهر الحقائق...
وذلك هو المشهد الاقتصادي المعلن فقط بالتزامن مع مسرح السياسة الذي يبدو أكثر تعقيدا على الأرض....
وهكذا فإذا تحرك بندول الاقتصاد العالمي يمينا تجذبه مؤشرات رفع الفائدة الأمريكية فيعكس اتجاهه لنقطة توازن وهمية نظرا لعوامل الجاذبية المذكورة.
وإذا تحرك البندول ناحية اليسار تطل أشباح سياسية واقتصادية مخيفة ليترضى بنقطة توازن جديدة يتأرجح حولها برغبة القوة المحورية.
وأوضح مثال على ذلك هي البورصات الناشئة التي تفتح على ارتفاعات وانخفاضات ظاهرية بفروق إغلاقات الأمس ولا يهم كثيرا ما يحدث بعد ذلك... كل يوم بلون مختلف...
فالمنافسة على الهبوط أو الصعود فى البورصات العربيه هي منافسة سعرية وليست كمية، و ضعف واضطراب تدفق السيولة يؤكد هذا المعنى لتستمر حركة البندول القائمة بالفعل منذ زمن في العالم الثالث والأخطر هو انتقاله إلى دول بعينها في العالم الأول تبعا لمستجدات المتغيرات السياسية والتوازنات الاقتصادية.
الكل يتحرك حسب حجمه لكن بوحي من القوة المحورية لتضح الصورة بعد انتخاب رئيس أمريكي جديد في نوفمبر 2016 بعدها قد يتحرك البندول بمعطيات مختلفة لتبدأ معادلة أخرى، حينها ينشط دور الولايات المتحدة ويتبلور كل مسعى وتبدو التحركات أكثر فاعلية ..

قد يبدو طرح اقتصاد البندول فلسفيا إلى حد ما، لكنه منظور خارج بحر الأرقام التي دهستها التحليلات واختصرت صورتها بين أحمر الخسائر وأخضر المكاسب...
ان التأمل بعين الوعي في مسائل الاقتصاد أفيد من الاشتغال بالاقتصاد نفسه فى وقت كهذا ... فالأهم من الفعل على المسرح هو طريقة الفعل نفسها.

الندوات و الدورات القادمة
large image