هل يستعيد الذهب نغمة الارتفاع من جديد؟

ارتفع الذهب بشكل طفيف اليوم، حيث عزز توقف ارتفاع الدولار من جاذبية المعدن الثمين قبل شهادة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول أمام الكونجرس. ووصل الذهب إلى مستويات 1,790 دولار للأونصة، قبل أن يعود ويتداول حول مستويات الـ 1,777 دولار للأونصة.

وتشهد أسواق الذهب حالة من الترقب لشهادة رئيس الفيدرالي الأمريكي جيروم باول اليوم الثلاثاء أمام البرلمان، للإدلاء بشهادته بشأن برامج الإقراض في حالات الطوارئ والسياسات الحالية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي أمام اللجنة الفرعية التابعة لمجلس النواب والمعنية بأزمة فيروس كورونا.  

ومنذ بداية العام تقريبًا، كان الطلب على الذهب باعتباره ملاذ اَمن قد انخفض مع هدوء وتيرة تفشي فيروس كورونا داخل الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى تلاشي المخاوف بشكل كبير حيال التعافي الاقتصادي العالمي مما أدى إلى انخفاض أسعار الذهب دون مستويات 1,760 دولار للأونصة في ظل ارتفاع الدولار الأمريكي مع صعود العائد على السندات الأمريكية، والتفاؤل حيال تعافي الاقتصاد الأمريكي سريعًا من تداعيات فيروس كورونا.

لا شكّ بأن معنويات المتداولين تأثّرت سلباً بتغيّر توقعات الفائدة الأمريكية التي ظهرت في اجتماع البنك الاحتياطي الفيدرالي الأربعاء الماضي، والذي قام فيه أيضاً برفع توقعاته للنمو من 6.5% إلى 7.0%، كما رفع توقعاته للتضخّم من 2.4% إلى 3.4% لهذه السنة 2021. ورغم تأكيدات الفيدرالي الأمريكي على أن الارتفاع في معدّل التضخّم يعتبر "مؤقتًا"، إلا أن المتداولين يخشون من ألا ينخفض التضخّم خلال الأشهر القادمة، ليُجبر ذلك الفيدرالي على البدء بتقليص برنامج شراء الأصول خلال هذه السنة، وربما لرفع الفائدة العام المقبل.

وأظهر الـ Dot Plot بأن سبعة أعضاء من الفيدرالي الأمريكي يتوقّعون رفع الفائدة العام القادم، مقابل أربعة أعضاء في الاجتماع السابق في شهر مارس، ويعتقد المتداولون بأن ارتفاع التضخّم سيجعل المزيد منهم يتّجه لرفع الفائدة، لينتهي المطاف بتصويت الفيدرالي على رفع الفائدة العام المقبل.

وقد أثبت لنا الدولار الأمريكي بأنه سيّد الأسواق المالية! وبالفعل، تجاهلت أسعار الذهب الانخفاض في عوائد السندات الأمريكية الذي حصل عقب اجتماع الفدرالي وتجاوبت مع الارتفاع الكبير في الدولار الأمريكي. يتم تقييم الذهب والعديد من السلع في العالم بالدولار الأمريكي التي تعتبر مرتبطة بالعملة الخضراء، وارتفاع سعر صرف الدولار يضر بالذهب.

وبحسب قسم الدراسات في مجموعة إيكويتي أعتقد بأن الذهب مرشّح لمزيد من الانخفاض خلال الفترة المقبلة، لكن هذا الانخفاض حتى لو امتد لما دون مستويات 1,750 وربما أيضاً أقرب لـ 1,700 دولار، فهو حتى هذه اللحظة انخفاض مؤقّت واجب حصوله منذ فترة.

منذ أن عجزت أسعار الذهب أن تبقى مستقرّة فوق 1,900 دولار سابقاً هذا الشهر، لاحظنا بداية الضعف في الاتجاهات الصاعدة، وبعدها بدأت عملية الانتظار للبنك الاحتياطي الفيدرالي ، لتعاود الأسعار انخفاضها.

حالياً، يبدو بأن المتداولين أكثر اقتناعاً بأن معدّل التضخّم سيعود للانخفاض بعد تأكيد الفيدرالي مراراً على ذلك. ويأتي ذلك مع الارتفاع في الدولار الأمريكي، بالتالي، شهدنا تزايداً في قوة الاتجاه الهابط على الأسعار. اقتصادياً، يرتبط طلب الذهب فعلاً بالتضخّم بمعامل ارتباط إيجابي، لكن لو قمنا بدراسة التاريخ، فسوف نجد بأن معامل الارتباط ضعيف، بل أيضاً شهدنا مراحل زمنية كان فيها التضخّم يرتفع، لكن أسعار الذهب إما تهبط أو تستقر.

ويسيء البعض تقدير كيفية ارتباط الذهب بالتضخّم، لكن لا يجب أن يَخفى على الاقتصاديين بأن العلاقة الطردية المثالية تكون بارتباط أسعار الذهب مع توقعات التضخم لخمس سنوات، وليس معدّل التضخّم الحالي.

وارتفع معدّل التضخّم بحسب أسعار المستهلكين إلى 5%، كما ارتفع مؤشر Core PCE المفضّل للفيدرالي الأمريكي إلى 3.1%. وأشار الفيدرالي إلى أنّه يتوقّع أن يكون التضخّم هذه السنة عند 3.4%.

هذه القيم من التضخّم تعتبر مرتفعة بالفعل، لكن أظهرت توقعات البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بأن ارتفاع التضخّم أمر مؤقّت، وبالتالي تشير توقعاته المستقبلية لاحتمال انخفاضه من جديد.

وبما أن الذهب يرتبط بتوقعات التضخّم، وبما أن توقعات التضخّم تظهر احتمال الانخفاض، لاحظنا بأن الموجة الصاعدة التي حصلت سابقاً هذا الشهر كانت ضعيفة نسبياً، وعند أوّل مؤثّر سلبي في المعدن الأصفر، نجده وقد عاد للانخفاض بشكل قوي.

لو نظرنا إلى توقعات بنك أوف أميركا، سوف نجد بأنه عاد ليكون محايداً بالنسبة لأسعار المعدن الثمين، ويتوقّع حالياً أن يكون متوسط سعر الذهب لهذه السنة عند 1,845 دولار.

ويجب أن نتطرّق هنا أيضاً إلى قانون "بازل 3" الجديد، الذي يستوجب على البنوك الاحتفاظ بالذهب "غير المخصص" ليكون لديها عامل تمويل مستقل 85%، وهذا ما سيجعل البنوك أقل قدرة على تحويل الذهب المودع من العملاء لنقد لإعادة استخدامه لتمويل أعمالها. بالتالي، متطلّبات التمويل الجديدة على الذهب ربما ستجعل المؤسسات المالية تقلل من نشاط السبائك وتبادلها، أو تحافظ على النشاط الحالي مع تقليص التوجّه نحو زيادة التمويل للمعادن، وفي كلا الحالتين قد لا يكون ذلك داعماً لأسعار الذهب بشكل كبير.

ونعود هنا لـ "بنك أوف أميركا" الذي يرى بأن متطلبات التمويل الجديدة المتزايدة على الذهب من المرجّح أن تزيد تكاليف المعاملات، وبالتالي تقلّص تعرّض الشركات المالية للمعادن الثمينة.

محاولات الارتفاع التي تحصل اليوم ما تزال محدودة، وأسعار الذهب ستكون بحاجة لمزيد من التأكيدات على دخول اتجاه صاعد، وبسبب حقيقة استقرار الدولار قريباً من أعلى مستوياته منذ شهر أبريل الماضي 2021، وهنالك احتمالات أيضاً بمزيد من الارتفاع في الدولار، فقد تبقى الاتجاهات الصاعدة محدودة على المدى القصير، وقد نشهد معاودة الضغط الهابط.

لكن على المدى الأبعد، وتحديداً المدى الطويل، فاحتمال ارتفاع أسعار الذهب وارد بالفعل، حتى لو قام البنك الاحتياطي الفيدرالي برفع الفائدة أو تعديل في سياساته النقدية. بدأ الذهب في اتجاه صاعد شهر نوفمبر عام 2015، واستمر هذا الارتفاع رغم أن الفائدة الفيدرالية تم رفعها أواخر 2015 ومطلع 2016، وبالتالي، هنالك ظروف أخرى غير الفائدة تدعم ارتفاع الذهب، ومن أهمها التضخّم الذي بالفعل بدأ ارتفاعه خلال 2015 من مستويات قريبة من الصفر ليصل خلال عام 2016 فوق 1.5%.

ارتفاع الذهب يقوده ارتفاع التضخّم بالفعل، لكن حالياً لا يتجاوب الذهب مع التضخّم لأسباب أخرى مرتبطة في توقعات التضخّم التي تظهر احتمال انخفاض. لكن برأيي، لا أعتقد بأن التضخّم سينخفض لمستويات مريحة، مما سيبقي على الحاجة للذهب لتغطية القدرة الشرائية للنقد، ويرتفع بعد انتهاء موجة الدولار الصاعدة الحالية.

الندوات و الدورات القادمة
large image