عندما تستعرض وسيلة إعلام بريطانية صعوبات "سعودة" وظائف أسواق الدين

محمد الخنيفر

 

 كشفت وثيقة برنامج تطوير القطاع المالي عن التوجه نحو زيادة حجم سوق أدوات الدين من 9% من الناتج المحلي الاجمالي في 2016 الى أكثر من الضعف بنسبة 15% في 2020.

إلا أن الوثيقة لم تتطرق بشكل مباشر لتحديات رأس المال البشري من الكوادر الوطنية المتخصصة بأدوات الدخل الثابت التي ستساعد في تحقيق هذا الهدف.

حيث تعتبر مهام المصرفيين الذي يعملون بأسواق الدين من الوظائف الحرجة لأي مؤسسة. فمن خلال تلك الكفاءات تزداد أو تنخفض تكاليف التمويل والاقتراض لجهة الاصدار التي تريد طرق باب أسواق الدين عبر السندات والصكوك. فأي إخلال بتحديد القيمة العادلة لتسعير ادوات الدين والقروض يعني أن جهة الاصدار قد فرطت بعدة ملايين لصالح المستثمرين (من دون أن تدرك).

لذلك على الجهات الرقابية الزام المصارف بإحلال الكفاءات السعودية المتخصصة بأسواق الدين بمثل هذه الوظائف الحساسة (والأمر ينطبق على شركاتنا الكبرى التي تصدر أدوات الدين بطريقة منتظمة). وإذا كانت بعض تلك الكفاءات غير مؤهلة فنشترط على البنوك الدولية (التي تجني الرسوم من ترتيب اصداراتنا السيادية) بتوظيف السعوديين بمثل هذه الوظائف وتأهيلهم (ولو لفترة زمنية مؤقته).

الواقع المحزن

الذي يحز في النفس أن الغالبية العظمى من مصرفيي أسواق الدين الذين يرتبون إصدارات السعودية يعملون من الخارج، الأمر الذي يعني تجاوز الكفاءات السعودية. بل في الحقيقة معظم من يوظفهم البنك من السعوديين يعملون في وظائف العمليات المساندة من خلال فرعهم بالمملكة.

فكفاءات البحرين أو هونج كونج  من المصرفيين لم تصل لما وصلت إليه لولا اشتراط الجهات الرقابية على البنوك الدولية توظيف المواطنين وتأهيلهم في كافة التخصصات المصرفية. صحيح أن نسبة سعودة الوظائف المصرفية عندنا تصل الى 90% ولكن الاستثناء ينطبق على وظائف أسواق الدين (وقس على ذلك مثل تلك الوظائف لدى البنوك الدولية المرخص لها بالعمل هنا).

المجاملات والواسطات

مثل هذه الوظائف الحساسة لا يجدي معها التوظيف وفقاً لصلة المعرفة بالشخص صاحب النفوذ. هذه الوظائف من المفترض أن تكون مقصورة على أصحاب الكفاءات المخلصين (القوي الأمين).

مررت بتقرير نادر جداً عن التحديات التي تواجه توظيف السعوديين بوظائف أسواق الدين والمنشور بوسيلة اعلام بريطانية (جلوبال كابيتال) والتي على إثرها قررت كتابة هذه الزاوية التي تقرؤونها. التقرير تم عنونته ب "معاناة التوظيف لأسواق الدين السعودية (The struggle to staff up for Saudi DCM) " أسمحوا لي أن اقتبس من هذا التقرير المتميز:

"تتسابق البنوك الأجنبية لدخول السوق السعودي ولكن هناك معاناة تجاه بناء قوة عمل من المصرفيين المحليين المتخصصين بأسواق الدين، وهذا لا يتوائم مع طموحات البلاد الخاصة بتطوير سوق الدين المحلي.

وساهمت المحسوبية (في التوظيف) وتباين أعداد أصحاب الكفاءات وتحدي فهم الأمور الشرعية الخاصة بأسواق الدين بالوصول الى هذه المرحلة. ولكن بحسب ما رصدناه، يجد  المصرفيين السعوديين الدوليين (المؤهلين على صعيد العمل الدولي) أن من الصعوبة ربح مقاعد لهم بأنشطة أسواق الدين المحلية.

يقول أحد المصرفيين الذي يعمل بالرياض:" عندما يتعلق الأمر بالبنوك السعودية فنحن لا نملك ثقافة توظيف المتخصصين بأسواق الدين". وتابع:"فالمواهب يتم تجاهلها لصالح أولئك المصرفيين الذين يملكون علاقات أفضل".في حين يقول آخر أنه عندما رجع لبلاده محملاً بشهادات متخصصة من الخارج، فإن صناعة المال المحلية عاملته بنوع من الشكوك. :"اعتقدوا أنني سأخذ مناصبهم (مع مرور الوقت). كان يجب علي أن أثبت نفسي".

أحد التحديات أيضاً هو الحاجة لمزج القواعد الشرعية للتمويل الإسلامي مع أسواق الدين، الأمر الذي يضيف طبقة أخرى من هيكلة (الصكوك) المعقدة. وهذه الأمور مجتمعة تساهم في تعقيد الحصول على الكفاءات المحلية المتخصصة بالجانب الشرعي والمالي. ولكن تحقيق هذه الأمور قد يبدو صعبا  في ظل بيئة العمل الدولية.

فإذا كان للبنك الدولي خيار إحضار مصرفي متمرس بأسواق الدين من الخارج من أجل تولي عملية الإصدار أو توظيف مصرفي محلي، فإن البنك لديه التزام بإغلاق الإصدار وليس تحسين قوة العمل المحلية. "