هل تنتصر التكنولوجيا على الاخبار الكاذبه ؟!

محمد مهدي عبد النبي

كان الصدق موجودا حتى ظهر ترامب ... يبدو ان هذا هو لسان حال كل منتقدى الرئيس الامربكى دونالد ترامب الذى يتبادل اتهامات متصاعده بالكذب و التضليل مع اطراف عديده ترى فيه نموذج معاصر و محفز للعمل على مواجهة الاخبار الكاذبه ، ففى ديسمبر 2016 و قبل تولى ترامب منصبه رسميا اطلقت جريدة واشنطن بوست برنامجا خاصا للتحقق و فحص تغريدات دونالد ترامب فقط على توتير تحت عنوان RealDonaldContext يفند اخطاء و سياق التغريده الواحده ... و هو الامر الذى اثار الرجل فأطلق الاتهامات ضد واشنطن بوست و منعها من اى مؤتمر صحفى له ... ليتطور الامر مع استعراضات ترامب و غزارة تغريداته المثيره فتفعل جريدة لوموند الفرنسيه قاعدة بيانات لهزيمه السموم و الخدع الاخباريه التى انتشرت فى الثلاث سنوات الاخيره بإنشاء قسم خاص لفحص الحقائق و كشف الاخبار الكاذبه التى تستزف و تعبث بالأمن الاجتماعى و الاقتصادى و السياسى فى العالم ...

اعتمدت لوموند فى محرك البحث خاص بها على فكرة اشارات المرور فاللون الاحمر بجانب النص يعنى انه كاذب و الاصفر يشير الى فقدان الثقه فى المصدر ، اما الاخضر فيدل صحة النص و الخبر ...

و قبل كل ذلك و بعده يظل الفيس بوك هو المتهم الاول و المروج الاساسى لصناعة الاخبار الكاذبه فى عالمنا المعاصر من خلال سيطرته المتناميه على اعلانات المواقع الاخباريه و التى دفعت الكثيرين لأتهام الفيس بوك بتضليل الناخبين فى استفتاء انفصال بريطانيا عن الاتحاد الاوروبى بأعطاء اولويه النشر لخبر يفيد بدفع بريطانيا نحو 350 مليون يورو اسبوعيا للاتحاد الاوروبى ... و كذلك المساهمه الفعاله فى فوز ترامب بالرئاسه الامريكيه ، و هو الامر الذى اكده ترامب نفسه و دفع مارك زوكربيرج مؤسس الموقع للاعلان مؤخرا عن اعطاء الاولويه للمنشورات الاجتماعيه على حساب منشورات وسائل الاعلام التجاريه و تقليل مساحة البث الاخبارى بنحو 1 % لمواجهة المعلومات المضلله و استطلاع رأى  نحو 2 مليار مستخدم شهريا فى جودة الاخبار الجديره بالثقه و من ثم منح وسائل الاعلام درجات فى الظهور و الانتشار ...

هنا لنا وقفه مع مشهد اخر مثير و ساخر ، ففى منتدى دافوس الاقتصادى رقم 48 الذى انتهت اعماله فى 26 يناير الماضى وجه الملياردير جورج سورس نيران اتهاماته ضد الفيس بوك و ترامب معا و بعدها بساعات قليله خرجت الى النور ميفان باباكار مديرة مشروع التحقق الاليكترونى من الاخبار الكاذبه التى تتبع منظمه " الحقيقه الكامله " فى بريطانيا لتعلن عن تكنولوجيا جديده تبدأ من اكتوبر 2018 تفحص و تتحقق اليا من تصريحات المسئولين على الهواء مباشره ... من خلال ربط البيانات و الاحصاءات الحكوميه الرسميه و ارشيف من المواقف و التصريحات السابقه و كذلك برمجة اللغات الطبيعيه مع البث الاخبارى المباشر لأهم الاحداث العالميه ... للكشف الفورى عن الاخبار الكاذبه الخاطئه و المعلومات المضلله و تحليلها قبل انتشارها ...

المثير هنا ان الملياردير جورج سورس المعروف بدوره فى تمويل ثورات التغيير فى امريكا الجنوبيه و اوروبا و الشرق الاوسط هو نفسه الممول و الداعم الرئيسى الآن لمنظمه " الحقيقه الكامله " التى تلقت عبر مؤسسات  Omidar و OpenSociety التابعتين لسورس تمويلا يقدر بنصف مليون جنيه استرلينى للقضاء على الاخبار الكاذبه بحلول 2020 حسب تصريحات ميفان باباكار مديره مشروع التحقق الاليكترونى ...

  • اذن نحن امام تغيير جوهرى فى التعامل مع اخبار العالم من جهود و ابتكارات و ادعاءات دوافعها سياسيه و اقتصاديه فى المقام الاول للحد من الكذب فى العصر الرقمى ، و هو ما يدفعنا لطرح التأملات و الاسئله فى وجه مستقبل تلك التكنولوجيا الممتعه ...

1-      من المعروف ان اى خطأ ينشأ نتيجه اما معلومات مغلوطه او معلومات منقوصه ، فهل تستطيع التكنولوجيا فعلا تنقيح الامرين للوصول الى المعلومه الصحيحه الكامله لأستعادة الثقه فى مواقع النشر التى وصلت لأدنى مستوياتها بنحو 25 % فقط خلال عام 2017 حسب مؤشر " إلدمان " للثقه ؟!

2-      الانتقاء صفه انسانيه خالصه تخضع للتوجه و التحيز و مزاج و مصلحة المصدر و المتلقى المشتركه على حد سواء ، فما هو ضمان حياديه اختيار تصريحات لمسئولين بعينهم و من ثم التحقق منها و تحليلها على اساس تكرارها و تأثيرها ؟! ... و ما هى الادوات الفعاله و الحدود المسموح بها للعمل امام هذا الفيض الهائل من الاخبار و المعلومات اللحظيه ؟!

3-      هل الهدف فعلا مكافحة التضليل و الكذب الاليكترونى بشكل عام ام خلق منظمات جديده و كيانات عملاقه على غرار منظمات التصنيف الائتمانى تعيد ترتيب و تصدير و توجيه المعلومات و الاخبار حسب رؤية مموليها ؟! ... و هل نشهد منافسه قريبه بين منظمه فيرست درافت العملاقه لتقصى الحقائق و منظمة الحقيقه الكامله للتحقق الاليكترونى ؟!

4-      كيف ستسقبل مؤشرات الاسواق الماليه التصريحات و نقائضها و تأكيدها فى نفس الوقت ؟! ... هل ستزيد عصبية الاسواق حينها ارتفاعا و انخفاضا ... هل سيؤثر ذلك على تدفق و استقرار السيوله فى الاسواق ؟! ... و كيف حال معنويات المستثمرين حينها ؟! ... و ما هى المنتجات الجديده التى ستخلفها تلك التكنولوجيا ؟! ...

5-      هل تفلح تكنولوجيا التحقق الاليكترونى من الاخبار الكاذبه فى التفريق بين وجهة النظر و الرآى و التصريح و الموقف و الربط الامين بينهم جميعا للحصول على تحليلات و نتائج اقرب للصواب ؟! ... ام ان الذكاء الصناعى سيتوقف مذهولا و مقيدا امام الالعاب النفسيه الرهيبه و المتنوعه التى يمارسها البشر ضد انفسهم ؟!