هل تلجأ اليابان وأوروبا لخيار الهليكوبتر النقدية يوما" ما ؟

waheed Baddour

كلنا يعلم بأن الاقتصاد العالمي يعاني من أعراض الانكماش وضعف معدلات النمو بعد رياح الأزمة المالية العالمية العاتية ,وفقاعة الرهن العقاري 2007/2008 التي عصفت بهذا الاقتصاد وتركته من خلفها كمريض مدمن على العقاقير المسكنة للأوجاع المتمثلة بعقاقير الفائدة الصفرية والسلبية وعقاقير التيسير الكمي .

فهاهي اليابان التي تعاني من الانكماش منذ ثلاثة عقود وأوريا التي دخلت في هذا النفق والصين على حافة هاوية الانكماش والولايات المتحدة التي تعاني من فصام اقتصادي وضعف الثقة بوضعها الاقتصادي  . يقول علماء الاقتصاد بأن علاج الانكماش هو أسهل من علاج التضخم بحكم أن الدول تستطيع أن تضخ المال في الأسواق متى شاءت وتنعش الاقتصاد فدعونا نأخذ على سبيل المثال حالتين مرضيتين وهما اليابان وأوريا ونستعرض مراحل العلاج .

لجأ البنك المركزي في اليابان وأوريا إلى العلاج بالسياسيات التقليدية وبدأ بخفض الفوائد حتى بلغت النطاق الصفري والسلبي بغاية تشجيع البنوك على الإقراض والأفراد على الاقتراض لتنشيط الدورة المالية وتحفيز الاقتصاد  ولكن لم تحقق هذه السياسة الفائدة المرجوة منها وبقي المستهلك مصمم على الادخار والخوف وضعف الثقة  بالاقتصاد لازال هو المسيطر على سلوكه الاستهلاكي , فكان لابد للبنوك المركزية من الانتقال إلى مسكن ألم أقوى وتجربة  سياسة التيسير الكمي والتي تعتبر من السياسات الغير تقليدية  فكانت في البداية محل استهجان ورفض لدى العديد من الاقتصاديين إلا أنها  أصبحت فيما بعد من السياسات المهمة والمسكنات المشروعة الاستخدام من قبل البنوك المركزية حققت بها نتائج ملموسة في الاقتصاد الأمريكي ساعدته على الخروج الجزئي حتى الآن من مستنفع الانكماش, وكما هو معروف لدى الغالبية بأن التيسير الكمي قائم على الشراء  من قبل البنوك المركزية  لأصول الحكومات والبنوك التجارية والمؤسسات المالية على شكل سندات مطروحة للبيع من قبلهم لتوفير السيولة اللازمة لهم  واستخدامهم لها  في القنوات الاستثمارية العديدة , فالطلب الكبير من قبل البنوك المركزية على هذه السندات يعمل على زيادة سعرها وبالمقابل انخفاض العائد عليها هذا الانخفاض الذي يمنح البنوك والمؤسسات البائعة لهذه السندات  هامش ربحي أفضل  ويخفف عنها عبئ الفوائد بشكل  كبير و يمنحها فرصة  التنافس فيما بينها لمنح القروض الشخصية والاستثمارية بفوائد أقل , حتى التيسير الكمي لم يحقق الهدف المطلوب والنمو الاقتصادي يتحرك ببطء السلحفاة !!

واليوم ماهو مسكن الألم الاقتصادي التي يتم تداول ذكره في أروقة مختبرات السياسة المالية والنقدية وعلى ألسنة حكماء الاقتصاد ؟ هذه الوصفة الدوائية والمصطلح الجديد هليكوبتر الأموال (أموال المروحية)  بدأ من عند الباحث الأمريكي ((ميلتون فريدمان))   1969مؤسس المدرسة النقدية الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 1976. ليعود تداول هذا المصطلح في بداية الألفية الثالثة . فهل ترمي البنوك المركزية النقود من السماء لشعوبها وهذا بالطبع تعبير مجازي وإنما هناك سبل عديدة لإيصال هذه الأموال إما عن طريق زيادة الإنفاق الحكومي أو تخفيض الضرائب أو إيصالها بشيكات مباشرة للأفراد بالتنسيق ما بين البنك المركزي ووزارة المالية في الحكومة .

وهناك من يسأل ماهو الفرق بين أموال المروحية والتيسير الكمي والفرق واضح فالبنك المركزي قي سياسة التيسير الكمي أمواله محفوظة على شكل سندات تم شراؤها من الحكومة والبنوك التجارية وغيرها من المؤسسات  وهي قابلة للاسترداد بتاريخ الاستحقاق ويختلف الأمر مع أموال المروحية التي تذهب إلى الأفراد باتجاه واحد من غير عودة .

كذلك الأمر نلاحظ في سياسة التيسير الكمي التي ينتهي بها المطاف بالاقتراض الذي بدوره يصنع فقاعات الأصول من جهة ويزيد ادخار الأفراد من جهة أخرى نتيجة اعتقادهم بأن الضرائب سترتفع لتكون النتيجة نمو اقتصادي بطيء ومسار تضخم متجمد في حركته ليبقى الاقتصاد عالق بمصيدة الانكماش!! ولكن هل هذا يعني أن أموال المروحية التي لا تأخذ شكل الاقتراض ستحقق الهدف المطلوب وتنعش الطلب الكلي ؟ هذا الموضوع حتى اليوم في مختبرات الدراسة والاستشارات مع عدم تجاهل أضرار هذه المروحية فيما لو دخلت حيز التنفيذ كعلاج تسكيني أخير لألام الانكماش وأول هذه الأضرار يتمثل  بالعجز المتوقع للبنوك المركزية في ضبط ارتفاع الأسعار القوي ومعدلات التضخم العالية كنتيجة لرمي هذه الأموال من السماء إلى الشعب (تعبير مجازي ) وهل سيتوفر لدى البنوك المركزية الأدوات اللازمة لضبط الأسعار حينها وإبطاء سرعة عربة التضخم .

لقد استخدمت تعبير مسكن الألم في توصيف السياسات النقدية والمالية المتبعة حاليا" لأنها – باعتقادي – لاتقوم بعلاج الداء وإنما تخفيف الآلام وبدأت بالفعل صرخات من أعضاء المركزي الأوربي والياباني وغيرهم من البنوك المركزية بضرورة الإصلاحات الهيكلية وتوجيه أموال التيسير الكمي لدعم البني التحتية والارتقاء بالعنصر البشري وتطوير الصناعات والبحث العلمي  وليس توجيه هذه الأموال إلى الاقتراض فقط لينتهي بها الحال كمدخرات جامدة ومنازل وسيارات فخمة تأخذنا إلى فقاعة أصول جديدة كما حدث عام 2008  في أميركا وامتدت إلى غيرها من الدول المتقدمة والناشئة

 

لكم جزيل الشكر