موعد اعتباطى !

محمد مهدي عبد النبي

فى نهاية قمة العشرين بالأرجنتين - نوفمبر الماضى ، خرج الرئيس الامريكى دونالد ترامب ليعلن على الجميع هدنة تجارية ذات تسعين يوما مع الصين تمتد من اول ديسمبر 2018 حتى اول مارس 2019 و شدد حينها إذا لم يتم التوصل لأتفاق تجارى شامل مع بكين بنهاية الهدنة سوف يتم فرض المزيد من الرسوم الجمركية اخرى تصل الى 25 % على واردات الصين الى الولايات المتحدة الامريكية

هدأت كثيرا النبرات الحادة لترامب طول مدة مفاوضات الهدنة و تحولت الى نبرة وديعة متفائلة " دون أساس معلن " بأتفاق تجارى تاريخى مع الصين التى تمسكت بأبتسامتها الصفراء و صبرها المعتاد فى جولات المفاوضات الخمس بين بكين و واشنطن ... و على الجانب الاعلامى ظلت شاشات العالم تراقب ساعة الصفر مع اقتراب الاول من مارس الذى وصفه ترامب نفسه قبل حلوله بأنه " موعد غير مقدس " و أما أن يعقد إتفاق تاريخى أو لا أبدا ... بل و ثبت الرسوم الجمركية عند حدود 10 % و فتح افاق التفاوض الى اجل غير مسمى تحت دعوى تقدم المباحثات بين الجانبين ، و لاحق ذلك فشل ادارة ترامب مرتين هذا العام فى ترتيب لقاء قمة بينه و بين نظيره الصينى لأعلان الاتفاق التجارى المزعوم ، بخلاف فشل قمة هانوى بين ترامب و زعيم كوريا الشمالية المدعوم من بكين

اللافت أن الصين التى تجيد قواعد اللعبة توجهت فى نفس توقيت المفاوضات الشاقة لغزو حلفاء امريكا فى اوروبا المختلفة حاليا مع توجهات ترامب التجارية ... و خلال ستة ايام فقط ضمت الصين ايطاليا لمشروعها الحزام و الطريق و تعاقدت على صفقة عسكرية مع فرنسا بنحو 30 مليار $ و طمأنت الاتحاد الاوروبى نوعا ما على مستقبل العلاقات التجارية ...

و مع تداعيات المشاهد المتشابكة تمددت التوقعات الى النصف الثانى من 2019 للخروج بأتفاق تجارى شامل من سبعة فصول بين امريكا و الصين وصفه مؤخرا وزير الخزانة الأمريكي ستفين منوتشن بأنه سيكون اهم تغير فى العلاقات التجارية خلال اربعين عاما ، بل و زاد فى نقد ضمنى للرئيس ترامب بأن سير المفاوضات بشكل جيد فى حلقاتها الاخيرة افضل كثيرا من فرض " موعد اعتباطى "

هنا لنا وقفة نتأمل فيها " رغم زخم ما تخفيه الكواليس " مدى استيعاب الادارة الامريكية مما سبق لقوة الصين الصاروخية ، فالاربعين عاما الماضية التى ذكرها منوتشن شهدت تفوقا امريكيا فى الناتج الاجمالى من حدود 2300 مليار $ الى ما يتجاوز العشرين الف مليار $ حاليا ، اى اقل من عشرة اضعاف ... فى المقابل لم تكن الصين بقوتها التجارية موجودة اصلا بين العشرة الكبار عالميا و ظهرت للمرة الاولى عام 1983 كمنافس محتمل فى المركز الثامن بناتج لم يتجاوز حدود 225 مليار $ مبتعدة وقتها بنحو 16 ضعف عن منافستها الحالية الولايات المتحدة الأمريكية

تغير المشهد تماما بنمو الناتج المحلي الإجمالي للصين خلال 36 عاما ماضية بنحو 57 ضعف ليتجاوز حدود 13 الف مليار $ حاليا ... اذا فروقات السرعات و القدرات و التحركات و التوقيتات و التوقعات تماما فى صالح الصين التى من المنطق أن تحدد هى و ليست الادارة الامريكية موعدا للأعلان عن اى أتفاق تجارى بل و تفرض رؤيتها المتسقة مع خططها المستقبلية عليه

هنا لا تبدو حروب ترامب التجارية على جبهات متعددة حول العالم أكثر من صرخات امريكية مدوية لتأكيد التفوق و الوجود التجارى المهدد بفعل السطوع الصينى المتوسع لا محالة خاصة بين الدول النامية و الطبقات المتوسطة حول العالم و القطاعات الاستراتيجية فى الدول المتقدمة على حد سواء ، و ربما يؤكد ذلك توقعات صندوق النقد الدولى حول تباطؤ النمو العالمى الذى يصل هذا العام الى 3.3 % فقط بفعل الحرب التجارية ليستعيد فى 2020 مستوياته السابقة فى 2018 عند 3.6 % مجددا ، اى مجرد تعطيل امريكى متعمد بغية اختبار قوة الصين التى لن يخرج اى اتفاق او موعد عن ارداتها الصلبة و ليس العكس

 

  • ختاما ... علينا أن لا نهتم كثيرا بتفاصيل اتفاق تجارى قد يخرج الى النور أو بتعريفات محتملة قد تزيد الحرب اشتعالا ، بقدر اهتمامنا بأفعال الصين المتراكمة و المنتظمة و ليس انتظار ردود افعالها كما كان فى السابق على تحركات امريكية مرتبكة و قلقة يؤكدها أكثر من موعد اعتباطى .