ما بين السطور لتصريحات جيروم باول

كان لشهادة جيروم باول، محافظ "الفيدرالي" الأمريكي، وتصريحاته يوم الثلاثاء الماضي أمام الكونجرس، كثير مما يستحق الوقوف عنده، لكن هنا سنركز على ما يهم الأسواق وينعكس عليها بشكل مباشر.


قبل التفصيل في تصريحات باول، التي ذكر منها أن التعافي قد يكون في النصف الأول من عام 2021 في حال انتهاء تأثير الفيروس، وأن معدل الإصابات بدأ بالانخفاض، هذا الجزء - رغم إيجابيته - أعطى وقتا أطول مما كان يتوقعه بعض المستثمرين أن الفيروس سينتهي قبل ذلك بكثير، خاصة مع وجود وبدء توزيع اللقاحات.


واهتم البعض الآخر بجزئيتين: الأولى، أن التحفيز سيستمر، والأخرى، أن معدلات الفائدة ستبقى منخفضة، وهاتان الجزئيتان هما ما تبحث عنهما هذه الفئة - المضاربون -، حيث ترى أن فيهما استمرارا للاتجاه الصاعد.


ومع اختلاف النظرة للتصريحات بين هؤلاء وأولئك لم تحسم الأسواق أو تميل لكفة أحدهما عن الآخر بعد انتهاء التصريح بشكل واضح.


والحقيقة: إن التصريحات تناولت عدة جوانب يمكن لأي طرف الاعتماد على ما يراه من إيجابية أو سلبية وتجاهل الباقي، لكن الأسواق في النهاية هي التي تحسم الرأي بعيدا عن العواطف، لذلك سنتحدث عن بعض المعطيات من الناحية السلوكية المعتادة للاقتصاد، فاستمرار التحفيز يضعف الدولار، وهذا يدعم الأسواق نحو الارتفاع من خلال استفادة الأخيرة من الأموال التي يضخها "الفيدرالي" بشكل مستمر، كذلك استمرار معدلات الفائدة منخفضة يحفز المستثمرين على ضخ سيولتهم في الأسواق، وفي نهاية المطاف من المعلوم أن السيولة هي وقود الأسواق, وهذا ما يفسر استمرار الأسواق في الارتفاع اعتمادا على هذه المعطيات.


من جهة أخرى، رغم ما ذكر إلا أن جائحة كورونا كوفيد - 19 ما زالت تضرب بيد من حديد على الاقتصادات الكبرى، بينما لا يزال بعض الدول يصارع من أجل البقاء، وهو ما أشار إليه باول في تصريحه، حيث قال: لدينا وقت طويل للتعافي ومعالجة الآثار السلبية التي خلفتها الجائحة، وهذا ما يعني أن هذه التأثيرات السلبية ستضطر الشركات معها لوقت أطول لتعويض ما سبق من خسائر أو نقص في الأرباح، وهو ما يؤثر في نظرة وتمركز المستثمرين طويلي المدى ممن يعتمدون على توزيع الأرباح السنوية التي تمنحها الشركات لهم والتي تقلصت خلال الجائحة.


حاليا، رغم الارتفاعات المجزية التي ما زالت الأسواق تستمر في تحقيقها إلا أن أصدق وصف لحالة الأسواق التي تعيشها اليوم بشكل عام، من وجهة نظر شخصية، هو تشخيصها بحالة - عدم اليقين -، حيث رغم الارتفاعات والأرقام القياسية التي وصلت إليها إلا أننا نجد فئة من المستثمرين الكبار يعيشون حالة من الحذر، كوارن بافيت، وغيره، وهو ما يفسر خوفهم من فقاعات - لا سمح الله - قد تشهدها الأسواق بعد سلسلة كبيرة من الارتفاعات، ولا سيما وقد عاصر منهم بعضا منها حيث غالبا ما تأتي الضربات الموجعة من الأسواق في قمة التفاؤل.

لذلك، نجد أن الأسواق ترتفع بينما الذهب لا يكاد يحرك ساكنا، رغم انخفاض الدولار، وكذلك ارتفاع السندات بشكل طفيف على استحياء بين حين وآخر، وهذا يعني ما ذكرناه سابقا من حالة عدم اليقين التي تعيشها الأسواق والمستثمرون معا خلال هذه الفترة، وإن كانت الكفة حتى الآن تميل لمصلحة المشترين لسبب أو لآخر مما ذكرناه أيضا.


في النهاية، من غير المنطقي للمستثمر استباق الأحداث والسير عكس اتجاه السوق الصاعد، لكن من الممكن استخدام الأدوات التي تساعده على مسك العصا من المنتصف، كما يقال، مثل: تنويع المحفظة، وتوفير سيولة كافية لأي طارئ، مع تخصيص نسبة لصفقات التحوط - الهيدج - التي يلجأ إليها المستثمرون عادة في مثل هذه الحالات، مع الاستمرار ببقية المحفظة حيث تتجه الأسواق.

نقلا عن صحيفة الاقتصادية

الندوات و الدورات القادمة
large image