كورونا ... المؤامرة و الصدمة

لا ليست الخسائر التريليونية الفادحة و لا انحسار الوباء و لا حتى اقتراب ظهور لقاح فعال هى الاسباب الدافعة فقط نحو التطبيع مع وباء كورونا و إعادة فتح الاقتصاد العالمى تدريجيا ... السبب الرئيسي يتمثل فى نمو الرغبة الاجتماعية حول العالم فى تجاوز الصدمة بعد الاعتياد عليها و القبول نظريا بفكرة " الحياة الطبيعية الجديدة " حتى لو فى ظل موجة ثانية .

فالجدل المستمر بشأن فتح الاقتصاد يعبر فى جوهره عن رغبة اجتماعية تريد الخلاص من قيود الازمة و توجه سياسى و اعلامى يريد مساحات أوسع لتوظيف الوباء و الاستثمار فيه ، و ليس غريبا فى عالمنا اليوم أن يتناول الأطراف الأربعة كابوس كورونا بين قوسى نظرية المؤامرة و عقيدة الصدمة ، و يعيد سحبهما على المشاهد كلها ، بل و يختبر صلاحيتهما أيضا. 

  • " مؤامرة كورونا " 

تقول نظرية المؤامرة أن لاشىء يحدث مصادفة و أن كل الاشياء ترتبط ببعضها و لها جوانب سرية خلافا للصورة التى تبدو عليها ، هنا يتفرع كل شىء فى كل زاوية ، فأغلب المجتمعات تشبع رغباتها النفسية فى محاولة تفسير و فهم " فعل كورونا " بوجهة نظر " نحن المفعول بهم " فى مواجهة " هم الفاعل " ... و لهم كل الحق و العذر فتزامن مفاجأت العزلة و الشلل التى خيمت على العالم فى عصر وفير المعلومات لا تؤكد نظريات المؤامرة فقط بل تطورها أكثر فأكثر .

و ربما أقرب نتائج المؤامرة تسكن بين ايدينا حية الآن ، فتطبيقات الصحة العامة على هواتفنا أصبحت مصدرا رئيسيا و محدثا بأستمرار لتتبع المزيد من بيانات و حركة الاشخاص حول العالم ، فلا معنى للخصوصية فى زمن الوباء ... إقامة جبرية كل فى مكانه لحين استيراد و تحليل و تصنيف أهم التفاصيل و البيانات من اصحابها مباشرة و وضع الخطط المناسبة للتعامل معها ... ليتيح فعل كورونا ثروات معلوماتية هائلة عن الانسان المعاصر " نحن " لصالح " هم " الذين يستثمرونها فى فتح قريب و مشروط لحركة السفر عالميا .

أما مثلت " السياسة و الاعلام و الاقتصاد " لا يكف عن الترويج لكل تفصيلة تخدم انتعاش نظريات المؤامرة سواء بالاثبات و النفى لتبادل أدوار السيطرة فى زمن كورونا ، فالحرب البيولوجية امتدادا للحرب التجارية الامريكية على الصين بؤرة البداية للفيروس ، و الزخم الأول أصاب كل الدول الوظيفية التى تشهد كثافة للاستثمارات الصينية فيها مثل ايران و ايطاليا ... و بكين ردت الصاع صاعين لواشنطن ، فالفيروس الصينى حسب رؤية ترامب أصبح امريكيا بصدارة الارقام عالميا ... و هكذا لا يمكن التقاط الانفاس فاستمرار نشر نظريات الوباء بين القوى الكبرى على المستوى الرسمى يؤشر بوضوح على أن السياسة و الاعلام قررا بث مباشر لأزمة اقتصادية ساخنة تصلح لتبرير و تمرير اى شىء على شماعة كورونا الواسعة .

  • " صدمة كورونا "

نحو عقول بيضاء تماما ... ذلك ما أراده " دونالد كاميرون " رئيس الجمعية العالمية للأطباء النفسيين قبل أكثر من ستين عاما بتجارب على مرضاه تتضمن شل الحواس الانسانية بالصدمات الكهربائية و المخدرات لغسيل الادمغة و أعادة تشكيلها من جديد ، و هو الرعب الذى التقطه الاقتصادى الامريكى الشهير " ميلتون فريدمان " صاحب نوبل 1976 ليؤسس نظام " رأسمالية الكوارث " بإختراع خطط الصدمات الاقتصادية لإحداث التغيير السريع بأقل مقاومة ممكنة .

 

و هذا ما استفاضت فى شرحه الصحافية الكندية " ناعومى كلاين " فى كتابها المهم " عقيدة الصدمة " و الذى يطل بتفاصيله المظلمة على كافة مشاهد كابوس كورونا ... و لكن ما مدى نجاح أفكار عقيدة الصدمة القديمة هذة المرة فى ظل الوباء المستجد ؟! 

 

أولا ... أحداث و نتائج الصدمات الاقتصادية سريعة الطلقات تنتمى لسنوات ما قبل الازمة المالية العالمية 2008 و لكن اثارها تمتد لما بعد كورونا ايضا بغية تحقيق الهدف الكبير و هو تطبيق " النيولبيرالية " التى تبحث دائما عن عدو جديد ... ففى سبيل فرض التحولات الاقتصادية المطلوبة ليس غريبا أن تتطور سيناريوهات الصدمات و تتسع دوائرها عبر الزمن من تغيير انظمة سياسية فى دول بعينها ، مرورا بكوارث تبدو طبيعية و الحرب على الإرهاب فى مناطق النفوذ ، وصولا لكورونا ... عدو خفى عالمى يتسق مع كل معطيات العصر الرقمى .

 

ثانيا ... ما كان لصدمة كورونا أن تتشكل بتلك القوة لولا نشأة و انتشار هذا العدو الفيروسى من الصين صاحبة أكبر كل شىء على وجه الارض ، فكل ما هو صينى يتسرب من بين أصابع العالم الذى تلقف لهب الوباء بشلل حقيقى لم يبدء بالافاقة منه إلا بثبات بكين على موقفها الرسمى الصارم فى تصدير صورة إصابة أقل من مئة الف من مواطنيها بالوباء و وفاة نحو خمسة ألاف فقط فى تلك الدولة المليارية سكانا ، و أيضا مع بدء عودة النشاط الاقتصادى قبل الكل المنغمس فى جدال إجراءات الخروج من أزمة الاغلاق الكبير .

 

المفارقة هنا أن الرغبة الاجتماعية و السياسية فى أكبر تكتل غير ديموقراطى عالميا قررت أولا كتابة نهاية مبكرة للوباء بعيدا عن توقعات الانحسار و اللقاح ، لتتبعها فى نفس المسار القوى الغربية الديموقراطية و لكن بضغط اجتماعى حقيقى على صناع القرار من أجل التطبيع مع كورونا ... يبدو أن بعض مجتمعات العالم فى انتظار صدمات اخرى بعد فشل صدمة الوباء فى تبيض العقول لصالح نشر الليبرالية الجديدة .

 

ثالثا ... أفكار عقيدة الصدمة تنذر بظلام اقتصادى كبير خاصة لو تمت مواجهة شرسة بين القطبين الامريكى و الصينى ، فالحديث عن ثلاث صدمات متتالية لتركيع العدو ... ها و قد خابت الصدمة الوبائية الاولى فى ضرب الصين فى مقتل بعد حرب الرسوم الجمركية الامريكية ، و جارى التحضير للصدمة الثانية عبر الاعلان الرسمى عن الأزمة الاقتصادية العالمية 2020 على أثر كورونا و ما تحملها من تقاسم خسائر فادحة تطال الجميع كل حسب حصته فى الاقتصاد العالمى ، و هو ما قد يؤلم الصين كثيرا ، فالأسلحة القاضية فى المعركة ما زالت أمريكية " الدولار و الفائدة و سندات الخزانة و التصنيفات الائتمانية و العلاقات الدولية " و التى أيضا تعد جزء من سيناريو الصدمة الثالثة القاضى بتوجيه لكمات مباشرة لهدف ثمين بهدف تركيعه و قد تم جس نبضها بمطالبات الغرب لبكين بتعويضات تريليونية عن اضرار نشر الوباء ، و فى انتظار المزيد ... المهم رد فعل الصين هذة المرة تحديدا .

آخر وأحدث التحليلات

الندوات و الدورات القادمة