نتحدث هنا عن الصنف الثالث ، الذي هو متاجر أكمل واجباته بالتعلم الصحيح المتعمق ، ومارس العمل على الحسابات التجريبية وقتاً كافياً ، ثم تحول في الوقت المناسب للحساب الحقيقي ، وربح وخسر ، وخسر وربح ، ولكنه أضاف لنفسه بعض الضغوط النفسية غير المحسوبة كأن يقترض المال الذي يعمل عليه ، أو تفرض عليه حسابات ليست له ، أو يتصدر لحساب أو حسابات أكثر من قدرته النفسية ، فهو كان ناجحاً على حساب يملكه ، فلما ازداد عليه الحمل ، لم يستطع أن يحمل مسئوليته ، فازدادت حساسيته للخسارة ، فخرجت نفسيته عن سيطرته .
كان حسابه الشخصي قوياً تضطرد فيه نسبة الربح باضطراد معقول ، ويزيد الربح عنده زيادة مقبولة ، فهو يحسن إدارة رأس المال ، ويحسن تحديد نسبة المخاطرة ، فإذا اختلفت ظروف حياته الخاصة ، أو ازداد "التحميل" العملي عليه توتر واختلفت نظرته لمسئولية العمل .
وقد تكون الخسارة الأولى في وضعه الجديد كفيلة بوضعه على أول طريق الفشل . يعيد النظر فوراً في أسلوب عمله ، ويعدل في خطته كأن يزيد من نسبة المخاطرة ، حتى يعوض الخسارة ، أو يدخل في عمليات سريعة أو قصيرة للتعجيل بالمكسب ، فيقع في حيص بيص ، ويفلت زمام نفسه منه ، فلا يرى بعدها إلا الخسارة .
مر عليّ من هذا النموذج عدة أشخاص ، كان أحدهم حين يجالسك واثقاً من نفسه ، ومن قدراته ، من علمه ، ومن خبرته ، يجادل ويناقش كأنه هو أبو الفوركس وأمها . ثم حين يتصدر لحساب أو أكثر صار يتصرف كالمقامر ، وكلما زاد مبلغ الحساب ازداد سعار المغامرة لديه ، ولم يهمه وقتها لا إدارة رأس المال ولا يحزنون ، وتحول إلى مجنون ، وكلما ازدادت الخسارة شغل كل خطوط الهاتف على فلان وعلان " ترى أنا شاري المجنون ... وايش اسوي" ، "ترى أنا بايع الكيبل ، دبروني ..." وتكون النتيجة بالطبع هي الخسارة البينة ، والفشل الذريع . ثم بعد أن يصفر حساب فلان ، يعمل على حساب علان ، وكلها حسابات ثقيلة ، والناس تثق به لعلمه وشهرته ، وما هو إلا مقامر يختل توازنه وينسى مباديء المتاجرة حتى يفقد سمعته وإسمه ، ويصير يلقي بالتهم على هذا الذي نصحه بالبيع ، وذاك الذي وجهه للشراء ، وهو إنما ضرب بالعلم عرض الحائط ، وصار بصيراً غطى عينيه ليعتمد على من يعبر به الطريق .
وبعد أن يفقد اسمه وسمعته ، يعود للمنتديات بمعرف جديد ، ويتكرر المشهد .