مارس، نقطة فاصلة في مسار الأسواق.. نظرة على تحركات البنوك المركزية المرتقبة

التحليلات والتوصيات

نظراً لكثرة الأحداث الاقتصادية الهامة خلال مارس الجاري وتأهب الأسواق لتحركات البنوك المركزية والتي قد تتسبب في تحويل مسار الأسواق خلال الفترة المقبلة، فيما يلي نظرة سريعة على توجهات البنوك المركزية الكبرى حول العالم والخطوات المحتملة لها: 

 

الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. 

تضاربت توقعات الأسواق طوال الفترة الماضية عما إذا كان الفيدرالي الأمريكي سيتمكن من مواصلة عملية التشديد النقدي التي بدأها في ديسمبر الماضي، أم أن النمو الاقتصادي والأوضاع العالمية قد تقف عقبة أمام استكمالها، فعلى الرغم من الثقة التي تحلى بها أعضاء الفيدرالي نهاية العام السابق، إلا أن تلك الثقة لم تتمكن من الصمود في وجه التباطؤ الذي أظهرته البيانات المحلية والعالمية خلال الفترة الأخيرة. فلم يتمكن الأداء الاقتصادي التفوق على توقعات اللجنة، الأمر الذي دفع ببعض توقعات رفع الفائدة بعيداً عن اجتماع مارس المقبل، لتستقر أغلب التوقعات على شهري يونيو وديسمبر، إلا أنه وكما يؤكد صناع القرار بالفيدرالي دوماً أن مسار الفائدة سوف يعتمد على مدى التحسن الذي سوف تًظهره البيانات الاقتصادية خلال تلك الفترة. على الجانب الأخر، فهناك تأكيد متواصل من قِبل  الأعضاء على أن خيار رفع الفائدة سيظل مطروحاً على طاولة المفاوضات إلى جانب العديد من أدوات السياسة النقدية الأخرى ومنها أيضاً معدلات الفائدة السلبية. يجدر بالذكر أن الدولار الأمريكي ينتظر العديد من البيانات الاقتصادية الهامة هذا الشهر والتي ستؤثر بالطبع كل من تحركات الدولار وخطوات الفيدرالي خلال الفترات المقبلة. 

 


 

البنك المركزي الأوروبي. 

تستعد الأسواق لإعلان البنك المركزي الأوروبي عن المزيد من الإجراءات التسهيلية خلال المؤتمر الصحفي. كانت الأسواق قد اعتمدت في توقعاتها على التأكيد المستمر لصناع القرار بالمركزي الأوروبي وعلى رأسهم محافظ البنك ماريو دراجي على استعداد البنك الدائم للتحرك ومواجهة المخاطر التي قد تهدد التعافي الاقتصادي بالمنطقة. هذا، وقد أشارت غالبية التوقعات على أن المركزي الأوروبي بصدد اللجوء إلى المزيد من خفض الفائدة على الودائع بمقدار 10 نقاط أساسية أخرى أو أكثر من ذلك، إلى جانب زيادة حجم برنامج التيسير النقدي الذي يُقدر حالياً بواقع 60 مليار يورو شهرياً. يجدر بالذكر أن المركزي الأوروبي قد اضطر بالفعل إلى مد الإطار الزمني المحدد لبرنامج التيسير النقدي إلى مارس من العام 2017 بعد أن كان من المفترض وأن ينتهي خلال سبتمبر المقبل. هذا فضلاً عن خفض الفائدة على الودائع بمقدار 10 نقاط أساسية إلى النسبة السالبة -0.20%. جاء ذلك ضمن الجهود المتواصلة من جانب البنك المركزي الأوروبي لحماية اقتصاد المنطقة من التعرض لخطر الركود الذي عاد ليهدد اقتصاد المنطقة من جديد.

 


 

بنك كندا. 

بعد أن كانت الأسواق قد تأهبت بالفعل لإعلان بنك كندا عن خفض الفائدة بواقع 25 نقطة أساسية، جاء قرار البنك بالإبقاء على معدلات الفائدة عند نسبها الحالية مُفاجئاً للأسواق خلال يناير الماضي. لم يكن قرار الفائدة وحده هو المفاجئ للأسواق، فقد عمل بيان الفائدة المصاحب للقرار على تشتيت أذهان الأسواق، حيث تحلى بنبرة مرتفعة من التفاؤل نابعة من الثقة في قدرة الاقتصاد الكندي على استعادة نموه خاصة مع استقرار التضخم عند النطاق المحدد.  كما أعرب البنك عن ثقته في قدرة النشاط الاقتصادي على استعادة اتجاهه الصاعد بدءاً من النصف الثاني من العام الجاري. على هذا النحو، فمن المرجح أن البنك سيفضل الانتظار حتى تلك الفترة لتكوين رؤية أوضح حول ما إذا كان الاقتصاد قادراً على تحقيق التوقعات أم أن البنك بحاجة إلى التدخل لدعم النمو ومتابعة ما سوف تأتي به السياسة المالية من قرارات جديدة. ولهذا تستبعد الأسواق حاليًا أن يقوم بنك كندا بخفض الفائدة وهو ما يفسر الصعود القوي للدولار الكندي أم نظيره الأمريكي.

 


 

بنك إنجلترا. 

تلاشت التوقعات برفع الفائدة البريطانية خلال الفترة الأخيرة في الوقت الذي فشلت فيه البيانات من توفير الثقة اللازمة لدعم بنك إنجلترا في بدء عملية التشديد النقدي. كما أن إشارة ملخص السياسة النقدية الصادر خلال فبراير إلى أن معدلات التضخم سوف تستقر أدنى النسبة 1% حتى نهاية العام الجاري، في ظل ارتفاع قيمة الاسترليني مؤخراً وتراجع أسعار النفط، قد عمل على دفع توقعات رفع الفائدة بعيداً عن العام الجاري. جدير بالذكر أن المفاوضات القائمة بين الجانبين الأوروبي والبريطاني وتزايد التوقعات بانفصال المملكة المتحدة عن الإتحاد الأوروبي قد تشكل المزيد من الأعباء على الأداء الاقتصادي خلال الفترة المقبلة، والتي قد تتزايد أكثر وأكثر في حال تم التصويت في صالح خروج المملكة المتحدة. حينها قد يمر الاقتصاد البريطاني بمرحلة طويلة وصعبة قبل أن يستعيد أدائه المعهود مرة أخرى. في هذا الصدد، فمن المتوقع أن يواصل البنك إبقائه على معدلات الفائدة عند مستوياتها الحالية 0.50% بإجماع كافة الأعضاء خاصة بعد أن تخلى العضو إيان مكافرتي عن دعمه لرفع الفائدة.

 


 

بنك اليابان.

كان بنك اليابان قد أعلن نهاية يناير الماضي اللجوء إلى تطبيق الفائدة السلبية على الودائع بنسبة -0.1%، على أن يتم العمل بالقرار اعتباراً من 16 فبراير الماضي. جاء ذلك ضمن محاولات البنك المستمر في دعم الأداء الاقتصادي بالبلاد. جاء قرار بنك اليابان مفاجئاً للأسواق خاصة مع التأكيد المتواصل من جانب البنك على أن خيار الفائدة السلبية ليس مطروحاً على طاولة المفاوضات. هذا، وقد قام البنك بترك المجال مفتوحاً أمام المزيد من التدابير التسهيلية، مشيراً إلى أن خفض الفائدة قد يستمر في حال استمر تباطؤ النمو الاقتصادي. الأمر الذي دفع غالبية التوقعات إلى الاتجاه نحو قيام البنك بإتخاذ مزيداً من الإجراءات التحفيزية خلال اجتماع مارس. 


 

البنك الوطني السويسري.

تترقب الأسواق أيضاً قرار الفائدة السويسرية والتي من المتوقع أن يستمر الإبقاء عليها عند المستويات الحالية التي تستقر في النطاق السالب بنسبة -0.75%. جدير بالذكر أن صناع القرار بالبنك وعلى رأسهم محافظ الوطني السويسري توماس جوردان يواصلون التأكيد على استعداد للبنك للتدخل مرة أخرى في الأسواق إن لزم الأمر بسبب ارتفاع قيمة الفرنك بشكل مبالغ فيه على حد قولهم.

 


 

الاحتياطي النيوزلندي.

عانى الاقتصاد النيوزلندي من الهبوط الحاد الذي تعرضت له أسواق السلع العالمية، الأمر الذي انعكس على تباطؤ الأداء الاقتصادي خلال الفترات الأخيرة. وبعد أن قرر البنك الإبقاء على معدلات الفائدة عند النسبة 2.5% خلال بيانه الأخير في يناير الماضي، ظهرت بعض الأراء التي تؤيد ضرورة خفض الفائدة النيوزلندية تصدياً للمخاطر الانكماشية التي يتعرض لها الاقتصاد المحلي. هذا إلى جانب التباطؤ الصيني والذي قد ينعكس بالسلب على أداء النشاط الاقتصادي في نيوزلندا. يجدر بالذكر أن التراجع المتواصل لأسعار منتجات الألبان كان له التأثير الأوضح على النمو الاقتصادي خاصة مع اعتماد الاقتصاد النيوزلندي بشكلٍ قوي على صادرات منتجات الألبان. ويبقى القرار النهائي في يد صناع القرار بالاحتياطي النيولندي حول ما إذا كان الاقتصاد مواجهة التخلص من تلك المخاطر، أم أنه بحاجة إلى المزيد من الدعم من جانب البنك.

 

 


 

الاحتياطي الاسترالي.

استهل الاحتياطي الاسترالي تحركات البنوك المركزية هذا الشهر مُعلناً إبقائه على مستويات الفائدة الحالية عند 2.0%. كان بيان الفائدة قد أكد على أن ضعف الأوضاع الاقتصادية على الصعيد العالمي قد شكل حالة من عدم اليقين، الأمر الذي أثقل على أداء العديد من الاقتصادات. كما أشار إلى التباطؤ الذي أظهره الاقتصاد الصيني. هذا، وقد البيان أيضاً على سيطرة السياسة التسهيلية على سياسات البنوك المركزية حول العالم. بوجهٍ عام، اتسمت نبرة البيان بالحياد مؤكدة على أن معدلات التضخم قد تظل منخفضة لفترة من الوقت تأثراً بالأوضاع العالمية.