التنين يتمدد

محمد مهدي عبد النبي

فى الوقت الذى انشغلت فى دول الشرق الاوسط بطرح نسخ مستقبليه متشابهه من " رؤية 2030 " ، ظل الشرق الاقصى يجتهد عمليا فى تناول الامر بعين مختلفه تماما تركز على تفاعلات القوه فى بحر الصين الجنوبى الذى استقبل مؤخرا خبرا مدويا عن عزم الصين بناء 50 جزيره صناعيه فيه بحلول عام 2030 ليعيد العالم ترتيب معادلاته و توازناته من جديد على خطى التنين الصينى العظيم ... و لنا ان نستكشف اولا اهمية بحر الصين الجنوبى من خلال النقاط التاليه :- 

1- هو جزء عملاق من المحيط الهادى تبلغ مساحته نحو 3.5 مليون كم2 و تشترك فيه سبع دول " الصين - الفلبين - فيتنام - ماليزيا - بروناى - تايوان - اندونيسيا " ... و يشمل اثنين من الممرات التجاريه الهامه و هما مضيق بلقا و مضيق تايوان ...

2- تتنازع الدول السبع على السياده بدرجات متفاوته على سلسلتين من الجزر  " باراسيل وسبراتلي " الخاليتين تقريبا من الكثافه السكانيه ... و تعكس المشاهد المستمره للطلعات الجويه و الدوريات البحريه من قبل الصين سيطره نسبيه على تلك الجزر بجانب اثارة القضيه دبلوماسيا بأحقية الصين فى السياده الكامله على بحر الجنوب ...

3-  تناوش الولايات المتحده الامريكيه عسكريا فى بحر الجنوب من خلال تعزيزات عسكريه قريبه من تلك الجزر و تعاون متنامى مع دول البحر المناهضه للصين ، و كل ذلك تحت عنوان " حمايه حريه الملاحه البحريه " ... الا ان الصين تتمدد فى انشاء الجزر الصناعيه و نشر قواتها العسكريه و اعادة مفهوم " خط الخطوط التسع " الذى يزعم بالسياده الصينيه على البحر كله ... بجانب اشعال متقطع  للاتهامات الاعلاميه بين الجانبين الامريكى و الصينى لما للبحر من اهميه اقتصاديه و سياسيه كبرى ...

4- تمر عبر بحر الصين الجنوبى نحو 35 % من تجارة الشحنات البحريه العالميه ، فمن خلال مضيق بلقا يمر النفط القادم من المحيط الهندى الى شرق اسيا و كذلك من 60% الى 80% من امدادات الطاقه المتجهه الى كوريا الجنوبيه و تايوان و اليابان ...

5- تجارة النفط العابره لمضيق بلقا ببحر الصين الجنوبى تعادل 15 ضعف ما يمر بقناة بنما و نحو ثلاثة اضعاف ما يمر بقناة السويس من كميات نفطيه خلال العام الواحد 

6- حسب التقديرات الرسميه الصينيه فأت باطن بحر الصين الجنوبى يحتوى على احتياطى نفطى مؤكد يبلغ 10 مليار برميل ، و كذلك ثروه هائله من الغاز الطبيعى بنحو الف تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعى  ... و تتنامى مزاعم الصين بأن ثروات هذا البحر لم تكتشف بعد ، فهو يزخر بأكبر احتياطى نفطى عالمى غير مؤكد ... بالاضافه للثروات المعدنيه و السمكيه الكبيره التى تمثل مصادر دخل هامه للدول السبع المحيطه ببحر الجنوب ...

  • اذن نحن امام مشهد مهم للغايه يتجاذب اطرافه المتراميه اقوى اقتصادين فى العالم " الصين و الولايات المتحده الامريكيه " بعين براجماتيه مستقبليه خالصه ، لضمان التفوق السياسى و لحماية امن الطاقه العالمى ..  و هو الامر الذى دفع الصين مؤخرا لترجمة صبرها التاريخى الى افعال حقيقيه تستكمل بها اسباب قوتها و ذلك من خلال الاستعراض التالى : - 


1- "السفن الامريكيه التى تمر على مقربه 10 اميال بحريه من مياهنا الاقليميه تعد استفزازا سافرا يدعونا لبناء المزيد من الجزر الصناعيه و العمل على تحصينها " ... هكذا صرحت الخارجيه الصينيه قبل الاعلان عن المشروع العملاق ببناء 50 جزيره صناعيه اضافيه فى بحر الجنوب بحلول عام 2030 ... 

2- " حاجز الصين العظيم " ... هو الاسم الذى اطلقته الصين على مشروع الخمسين جزيره الذى يقضى بأقامة حاجز بطول 1000 كم بعرض بحر الصين الجنوبى و يحوله لمسطح مائى شبه مغلق يسيطر بشكل كبير على كل السفن الماره به ... و هو ما يوسع من المياه الاقليميه الصينيه لنحو 12 ميل بحرى من الجزر المزعم انشائها و بالتالى ابعاد خطر مرور السفن الامريكيه بتلك المنطقه ...

3-  خلال العقد الاخير ضاعف التنين الصينى من قدرته على التجريف البحرى بنحو ثلاثة مرات عبر شراء اكثر من 200 سفينه مخصصه لتلك الاعمال و بناء اسطول خاص متطور يرفع القدره التجريفيه من 4500 متر معكب فى الساعه الى  6000 متر مكعب في الساعة و بحفر اعماق تصل الى 35 متر تحت قاع البحر ...

4-  اعتمدت الصين تمويلا سنويا يقدر بنحو 4 مليار دولار لتطوير ما يقرب من 10 كراكات عملاقه تدخل الخدمه تدريجيا بداية من النصف الثانى من 2018 استعدادا لبناء الخمسين جزيره صناعيه التى حسب التقديرات ستساهم فى انكماش المساحه المعروفه للمحيط الهادى بنحو 5 % و هو ما يتطلب تعديلات جوهريه فى قوانين البحار الدوليه التى تنتقدها الصين كثيرا ...

5-  عبر هذا الحاجز العظيم تنشر الصين مطاراتها و موانئها العسكريه المستقبليه و تعيد اكتشاف الثروات المختزنه فى بحر الجنوب لأحياء الارث التاريخى  القديم و لمد الوطن الام بأحتياطيات مؤمنه من الطاقه و الغذاء لأكبر دوله ذات كثافه سكانيه على وجه الارض ...

  • اخيرا ... بعد هذا المشهد المركب و المتراكم لحظيا تطفو الاسئله الصعبه فى انتظار الاجوبه الكاشفه خلال السنوات القادمه و هى :- 

1-  كيف سيواجه الفيل الامريكى تلك الرغبه الجامحه للتنين الصينى الذى يتمدد بثقه تاريخيه تمكنه من الانفراد بالسيطره و التفوق العالمى ؟! 

2- ما هو شكل الاقتصاد العالمى خلال الخمسين عاما القادمه و ما هو مستقبل اسعار الطاقه مع سعى الصين للأكتفاء ذاتيا اذا صدقت انباء كنوز بحر الجنوب ؟!

3-  هل اخذت دول الشرق الاوسط النفطيه فى حسبانها لرؤى 2030 تلك التطورات الصينيه الهائله ؟!!