الأقتصاد و المضاربات الاعلامية

محمد مهدي عبد النبي

  • ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻛﺎﻟﻌﻀﻼﺕ ، ﺇﻥ ﻟﻢ ﺗﺴﺘﻌﻤﻠﻬﺎ ﻫﺰﻟﺖ ...  حكمه امريكيه
  • ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﻜﻠﻢ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻳﺼﻤﺖ ﺍﻟﺼﺪﻕ ... حكمه روسيه
  • ﺣﺐ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻳﺤﻮﻝ ﺍﻟﺤﻜﻤﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺑﻠﻬﺎﺀ ... حكمه صينيه
  • ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻗﻮﻳﺔ ، ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺃﻗﻮﻯ ﻣﻨﻬﺎ ... و يد مملؤه ﺑﺎﻟﻤﺎﻝ ﺃﻓﻀﻞ ﻣﻦ ﻳﺪ مملؤه ﺑﺎﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ... حكمه اعلاميه


◀دع صديقى القارىء معانى الحكم السابقه تتفتح فى ذهنك و انت تراقب حركة اصابع الاعلام العالمى فى توجيه مسارات اهم الاحداث الاقتصاديه خلال السنتين الاخيرتين ... و البدايه مع يناير 2016 حيث العاصفه الحمراء لأسعار النفط الواقع تحت ترهيب اعلامى كبير مبرره الاساسى و المتداول هو " تخمة المعروض النفطى " و ليس " تراجع الطلب العالمى " مع ان الجملتان تعبران عن شىء واحد ... إلا ان تخمة المعروض لها تأثير نفسى اكبر فى الضغط على الاسعار لمستهدفات سعريه اعلاميه ما ان تحققت حتى تظهر الاخرى لتملىء فراغ الصمت الرسمى لدول منظمة اوبك و لتزيد من حرية الدول النفطيه خارجها ...

كانت اسعار النفط تنتظر المجهول عند اسعار 35 دولار للبرميل و لجعل تخمة المعروض اكثر قبولا جاء اقترانها بالتركيز المكثف على تباطؤ نمو الاقتصاد الصينى فى 2016 الى ما دون 6.9 % مع انه يتراجع بالفعل و على التوالى من عام 2010 ... إلا ان نغمة تخمة النفط مع تباطؤ اكبر مستهلك فى العالم ادت الغرض الاعلامى الى حدود 26 دولار للبرميل ، حتى صارت بورصة المضاربات الاعلاميه تشير بشبه اليقين وقتها الى سحق الاسعار الى ما دون 20 دولار للبرميل ! ... و هذا لم يحدث ...

و لك ان تتخيل صديقى القارىء ان عام 2016 شهد 263 جلسة تداول على عقود النفط لم يمكث فيها الخام سوى 23 جلسه و البرنت 10 جلسات فى منطقة العشرينات المرعبه ...

◀فى يونيو 2016 انشغل الاعلام العالمى  بقضيه الاستفتاء على انفصال بريطانيا عن الاتحاد الاوروبى المعروفه بمسمى Brexit و ازدحمت التوقعات المشيره لبقاء بريطانيا داخل الاتحاد الاوروبى لتتشكل وجهة نظر كبرى تقع بين قوسى الترهيب من الخسائر المهوله حال الانفصال و الترغيب فى المكاسب الضخمه حال البقاء ... و هو ما شكل اطمئنان مصطنع للاسواق الماليه العالميه التى اصابتها الصدمه الحقيقيه بخسائر تعدت 15 % حين ظهور نتيجة الاستفتاء المؤيده للأنفصال ...

هنا فقد الاعلام رصيدا كبيرا من قدرته على توجيه التوقعات لصالحه ، و ابتعد تدريجيا عن الاهتمام بتناول قضية Brexit الا فى اطار تطورات الاخبار العاديه ...

◀ فى نوفمبر 2016 كان الاعلام العالمى على موعد مع ضربه سياسيه قاسيه قضت على ما تبقى من هيبته ... فاز دونالد ترامب برسائه الولايات المتحده الامريكيه ... و هذا بعد ترويج و انحياز مبالغ فيه لمنافسته هيلارى كلينتون و تعديد لحجم الخسائر التى تصيب الاقتصاد العالمى حال فوز ترامب و التى وصلت فى اقصى تقدير الى تريليون دولار ... و ما ان كانت النتائج تتوالى عن تقدم ترامب حتى تعمق الاسواق الماليه من اللون الاحمر ، الى ان تأكد فوز الرجل فأختار الاعلام ان يطبع مع الضيف الثقيل و الجديد بسرد مميزات برنامجه الاقتصادى الذى لم يلقى اهتماما كافيا بالقدر الذى كان يركز فيه الاعلام على الجوانب الشخصيه الكاريزميه لترامب ... و هذا ما فعلته ايضا الاسواق الماليه التى اثرت نسيان التهديدات الاعلاميه على حساب بدء سباق سريع لبلوغ مستويات قياسيه للمؤشرات رغم عدم ترجمة اهم وعود ترامب الاقتصاديه على ارض الواقع حتى الان ...

◀ ادرك الاعلام العالمى ضرورة تراجعه عن اضواء القضايا الاقتصاديه الكبرى بعد ماحدث فى يونيو و نوفمبر 2016 فانشغل بالتركيز على ملعبه المعتاد فى تناول المؤشرات و توقعات الفائده الامريكيه و مخزونات النفط لكسب جزء من الثقه المفقوده فى توجيهه للتوقعات ... حتى تفتحت قضيه نووى كوريا الشماليه من جديد فكان التناول مثيرا على الشاشات و لكنه ليس بنفس التأثير على الاسواق التى تواصل القفز نحو مستويات تاريخيه جديده ، و كأنها تستعد بالاخضر الداكن لمواجهة الاحمر المحتمل حال انفجار اى لغم من القضايا الساخنه المفتوحه ...

◀فى يوليو 2017 و اثناء خطاب جانيت يلين رئيسة الفيدرالى الامريكى رفع احد الحضور خلفها لافته مكتوب عليها " اشتروا البيتكوين " ... ليثير هذا المشهد اهتمام و شهية الكثيرين حول العالم الذين راحوا يعددون مكاسب العمله الاليكترونيه الافتراضيه التى كانت تدور وقتها حول مستوى 3000 دولار تقريبا للبيتكوين الواحد ... !
تلقف الاعلام المشهد و عمل على تنميته بكل قوه ليقفز البيتكوين بنحو الف دولار كل شهرين الى ان وصل لحدود 5000 دولار و يتقلص المدى الزمنى للصعود الرهيب الى اضافة الف دولار اخرى كل اسبوعين حتى بلغ جنون الارتفاع فى نوفمبر ليسجل البيتكوين مستويات جديده من 8000 دولار الى 9000 دولار فى ثلاثة ايام ، تبعتها ثلاثة ايام اخرى تجاوز فيها حدود 10000 دولار للبيتكوين الواحد الذى لم يمكث سوى 8 ساعات فقط حتى بلغ مستوى 11400 دولار ليفتح ابواب الدهشه و التنبؤ بتبخر الفقاعه الالكترونيه تدريجيا بعد زخم و مضاربات اعلاميه شديده دفعت الى المزيد من الخيال الذى لا يعرف حدود سعريه فنيه و ماليه يقف عندها البيتكوين ...

جزء كبير جدا من المعنويات الافتراضيه منحها الاعلام بتكثيف التركيز على نقل صخب البيتكوين لحظيا عند كسره مستوى 10000 دولار ... حتى بات الجميع بسخريه و دهشه كامله يعيدون تقييم كل الثروات و الاصول بالبيتكوين ، فتتقزم مليارات الدولارات الى عشرات الملايين بحساب البيتكوين ...!

◀ الآن عد صديقى القارىء الى الحكم الاربعه فى اول المقال لتكتشف صحتها تماما بعد مشاهد المضاربات الاعلاميه الضخمه على شرف الاقتصاد العالمى الذى يسير بنشاط مقلق للغايه فى محو الاسياسيات المنطقيه المعروفه
للاسواق .