المانيا ميركل

محمد مهدي عبد النبي

لماذا فيس بوك و امازون اختراعات غير المانيه ؟! ... هكذا عبرت المستشاره الالمانيه انجيلا ميركل عن طموحها قبل تعجبها من ان اهم شرايين التواصل و التجاره فى العالم الحديث امريكيه الفكره و التنفيذ ... و ان بلادها المانيا صاحبة الاقتصاد الرابع عالميا و الاول اوروبيا فقدت مبادرة الاختراع فى تلك الامور لتكون كبقية دول العالم مستخدمه لمنتجات امريكيه فريده احتمالات تكرارها قد تكون مستحيله ...

و يبدو ان استفهام السيده ميركل عنوانا معبرا بحق عن 68 عاما من عمر جمهوريه المانيا الاتحاديه التى تتأهب فى 24 سبتمبر 2017 لعقد الانتخابات الفيدراليه العامه لأختيار البرلمان الالمانى " البوندستاج " رقم 19 و الذى يعلن بعد الاقتراع السرى فى 9 اكتوبر القادم عن هوية المستشار الالمانى الجديد المتزعم لأتلاف او اغلبيه مطلقه تتجاوز 316 من اصل 589 مقعدا قابله للزياده حسب القانون الاساسى الالمانى " الدستور " ... 

هذا المشهد الانتخابى المليىء بالتفاصيل تتربع على بطولته منذ عام 2005 المستشاره الالمانيه الحاليه انجيلا ميركل ( 63 عاما ) التى تسعى لولايه رابعه مدتها أربع سنوات اخرى تؤكد فيها اسطورتها الشخصيه كأول امرآه المانيه فى هذا المنصب الرفيع و تعزز من مكانة بلادها كقوه مؤثره عالميا ، نمر على خيوطها من خلال النقاط التاليه ...

1 - بتأمل التجربه الالمانيه منذ نهايه الحرب العالميه الثانيه عام 1949 نجد ان منصب المستشار الالمانى توالى عليه 8 مستشارين يعد نصفهم من نماذج الحكم الجيده فى اعاده بناء دوله قويه سياسيا و اقتصاديا  ... اهمهم المستشار الاول " كونراد اديناور " الذى اعاد تأهيل العقل الالمانى بالقضاء على افكار النازيه و العنصريه و كون جيش جديد ... و المستشار الثانى " لودفيج إيرهارد"  الاستاذ الجامعى  و وزير الاقتصاد فى عهد اديناور و صاحب نظريه السوق الاجتماعى التى قادت المانيا لمعجزتها الاقتصاديه ... و المستشار السادس " هلمت كول " رجل اوروبا التاريخى الذى قام بتوحيد شطرى المانيا الشرقى و الغربى ... و المستشار الثامن السيده " انجيلا ميركل " التى مزجت بأقتدار بين مزايا المستشارين الثلاثه السابق ذكرهم 

2 - تتزعم ميركل الحزب المسيحي الديمقراطي الذى استحوذ على 48 عاما متقطعه خلال مسيره 68 عاما لجمهوريه المانيا الاتحاديه ... هذا الحزب المحافظ يتوازن سياسيا من خلال تحالفات مستمره مع احزاب المسيحى الاجتماعى و الديموقراطى الحر و الخضر ... و ينتهج اقتصاديا مبادىء اقتصاد السوق الحر و الوحده الاوروبيه و يحسب لقادته  ترقى الاقتصاد الالمانى من المركز الثامن الى المركز الرابع عالميا و تراجع نسب البطاله من 6.25 % عام 2005 الى حدود 3.7 % عام 2017 ... و يبدو ان استمرار قوة الملف الاقتصادى كان دافعا قويا لبقاء ميركل و التجديد لها بعد اجتياز اختبارات صعبه تنوعت من الازمه العالميه فى 2008 و ديون اليونان مرورا بأزمة اللاجئين وصولا الى Brexit انفصال بريطانيا عن الاتحاد الاوروبى

3 – يمكن قراءة القادم فى المانيا من خلال احداث عام 2016 حيث شظايا ثلاثة ملفات تعاملت معها انجيلا ميركل بالكثير من الحكمه

  • اولا ( ازمة اللاجئين ) ... تحاول ميركل تقديم نموذجا للقياده السياسيه و الاخلاقيه فى اروروبا من خلال استقبال نحو مليون لاجىء من الشرق لتدعيم حيوية سوق العمل الالمانى و هو الامر الذى اصابها بأنتقادات حادة و مستمره بأغراق اوروبا باللاجئين ، تواصلت حتى مناظرتها الاخيره ضد منافسها " مارتن شولتس " رئيس البرلمان الاوروبى السابق و زعيم الحزب الديموقراطى الاجتماعى
  • ثانيا ( الاتحاد الاوروبى ) ... تقع اغلب المؤسسات الماليه و السياسيه للاتحاد الاوروبى داخل المانيا عاصمة اليورو و مصدر قوته ، و هذا الوضع مكن ميركل من استغلال نتيجة Brexit لصالحها من حيث تاكيد الزعامه الاوروبيه و ضرب المثل الحى على صعوبة تخارج بريطانيا من البيت الاوروبى و حلحلة الداخل بالتقاط ثمار تخارج الشركات من لندن و هو الامر الذى وضح جليا فى بيانات 2016 من تواصل الارقام القياسيه للميزان التجارى الالمانى الذى وصل الى 252.9 مليار يورو بعد ان سجلت الصادرات الالمانيه 1.21  تريليون يورو بزيادة 1.2 % عن 2015 بالاضافه الى ارتفاع الواردات الالمانيه الى 954.6 مليار يورو بزيادة 0.6 % عن 2015
  • ثالثا ( القضايا العالميه ) ... على الجانب الشرقى  تعد تركيا قاسما مشتركا فيما يجرى فى المانيا حيث يعيش 3 مليون تركى يحق لمليون منهم حق الانتخاب و هو ما استغله اردوغان بالضغط على ميركل ، بجانب تهديده بتوريد المزيد من اللاجئين الى اوروبا مقابل تسهيلات اقتصاديه و سياسيه تسمح لتركيا بالانضمام للاتحاد الاوروبى الذى اصبح بالفعل حلما بعيد المنال بعد اتفاق المتنافسين ميركل و شولتس على عدم وجود مكان  لتركيا داخل الاتحاد  ... و بالتعمق شرقا نجد ان المانيا تحاول ايجاد مساحه مشتركه مع روسيا من خلال احتكاكها بقضايا الشرق الاوروبى و اتفاقها كصوت غربى مع المصالح الاقتصاديه لروسيا و حليفتها الصين و يتضح ذلك فى تنامى العلاقات بين هذا المثلث و ربما اخر شاهد كان موقفهم الداعم للحل السلمى فى ملف كوريا الشماليه ...
  • اما على الجانب الغربى بدءا بفرنسا فلازالت تتردد فى الاذان مقوله المرشحه الفرنسيه مارى لوبان التى اشارت سواء بفوزها او خسارتها فأن فرنسا ستحكمها امرأه !!! ... و ذلك فى اشارة لنفوذ ميركل على الرئيس الفرنسى ايمانويل ماكرون ... و بالتعمق غربا الى امريكا ترامب نجد ان فوز الرجل اقلق كثيرا ميركل التى نقلت الى اوروبا شعورها السياسى بالاعتماد على النفس دون الولايات المتحده خاصة فى عهد ترامب المضطرب و الذى يكيل الكثير من الاتهامات للصناعات العسكريه و الدوائيه الالمانيه بأعطاء قيمه مبالغ فيها لليورو امام الدولار الامريكى

اخيرا ... و بعد استعراض صور قديمه حاكمه و صور جديده مؤثره نستطيع القول ان المانيا  تستكمل اسباب قوتها و تؤكدها على الاغلب بأختيار انجيلا ميركل لولايه رابعه حتى 2021 التى قد تشهد تفوقا صينا على الولايات المتحده و تفوقا المانيا على اليابان ....