اتجاهات جديدة بالأسواق هذا العام

عاصم منصور

                                                

رأيت أن هذه الصورة أفضل مثال لتوضيح ما سأتكلم عنه في هذا المقال، فبمجرد النظر إلى هذه الصورة سيرد إلى أذهانكم إحدى الاحتمالين، الأول هو أن تتفوق قوة أحدهما على الأخر ويسحبه معه. والثاني هو أن تتقلص المسافة بينهما بافتراض أن الحبل مطاطي فكلما ابتعد تزايدت المسافة كلما زادت احتمالات تقلصها، وهذا هو الاحتمال الذي سنضعه في اعتبارنا أولًا.

وبتطبيق هذا المثال على السياسة النقدية للبنوك المركزية سنفترض أن الشخص على اليمين هو الفيدرالي الأمريكي وعلى اليسار بقية البنوك المركزية الأخرى، بمعنى أن الفيدرالي الأمريكي بدء مسيرته في اتجاه تشديد السياسة النقدية منذ أن أنهاء برنامج التيسير النقدي في أكتوبر 2014 ورفع الفائدة في دبسمبر 2015 و 2016 ومارس 2017 مما يعني أن مسيرة الفيدرالي تحشد زخمًا في اتجاه التشديد النقدي ومن المتوقع أن تحشد المزيد من القوة في هذا الاتجاه مع رفع الفائدة أكثر من مرة هذا العام، مع تحسن البيانات الاقتصادية.

ومن ناحية أخرى، اتجهت أغلب البنوك المركزية العالمية في اتجاه تسهيل السياسة النقدية بخفض الفائدة وبدء برنامج التيسير النقدي وتطبيق الفائدة السلبية على الايداعات وزيادة حجم برنامج مشتريات الأصول بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية التي دفعت البنوك المركزية للتدخل لدفع عجلة النمو وصد مخاطر الركود. وكانت هذه مرحلة اتساع الفارق بين السياسات النقدية بين الفيدرالي الأمريكي والبنوك المركزية الأخرى والتي صبت في صالح ارتفاع الدولار الأمريكي بشكل قوي.

فهل سنشهد وضع جديد هذا العام، نعم اتوقع أن يحدث الاحتمال الثاني وهو تقلص المسافة بين الطرفين وما يثبت ذلك بعض النقاط، أهمها:

الفيدرالي الأمريكي يقترب من مستويات الفائدة الطبيعية فهي حاليًا عند 1% ومن المتوقع أن يتم رفعها إلى حوالي 1.4% بنهاية العام الجاري وهذا ما أكدت عليه يلين في خطابها مما جعل الأسواق تسعر بأن الفيدرالي الأمريكي لن يكون أكثر إيجابية مما هو عليه الآن وانعكس ذلك على التوقعات الاقتصادية التي أبقها عليها بالرغم من الدعم المتوقع للنمو الاقتصادي من قبل السياسة المالية لترامب التي تهدف إلى خفض الضرائب وزيادة الانفاق على البنية التحتية.

بدأت البنوك المركزية في التفكير إلى التقليل من السياسة التسهيلية، فقد رأينا اتجاه عضو بلجنة السياسة النقدية ببنك إنجلترا إلى التصويت لرفع الفائدة بسبب ارتفاع التضخم بشكل قوي بل وكان هناك معارضة من بعض الأعضاء لاتخاذ بنك إنجلترا قرار خفض الفائدة وزيادة برنامج مشتريات الأصول بعد نتائج الاستفتاء. أيضًا، بدأ المركزي الأوروبي التفكير في احتمالية رفع الفائدة على الإيداع قبل إنهاء التيسير النقدي وبالرغم من أن هذا النقاش كان من الناحية النظرية لكن هذا يشير إلى أن المركزي الأوروبي لم يصبح يفكر في المزيد من القرارات التسهيلية بل التقليل منها خاصة مع استمرار تعافي معدلات التضخم في منطقة اليورو وانعكس ذلك بشكل إيجابي جدًا على اليورو.

ملخص القول، لن يتم تسليط الضوء على الفيدرالي الأمريكي فقط هذا العام، فهناك بنوك مركزية أخرى قد تتخذ قرارات جديدة من شأنها تقليص الفجوة بين السياسات النقدية، وبالطبع سينعكس ذلك على أداء العملات فارتفاع الدولار القوي لم يكن سببه الوحيد الاتجاه إلى التشديد النقدي فحسب بل سير العملات الأخرى في الاتجاه المعاكس. ولهذا اتوقع ألا يسجل الدولار الأمريكي الارتفاعات التي شهدناها العامين الماضيين هذه المرة.

المفاجئة هي أن نصل إلى مرحلة سير الطرفين معًا في اتجاه واحد وهو تشديد السياسة النقدية وهذه المرحلة قادمة لا محالة لكن سيعتمد توقيتها على البيانات الاقتصادية.

واختم المقال بمقولة "عندما تصل للقاع فهناك اتجاه واحد لتسلكه" ما هو؟ أصبحتم تعرفونه الآن.