تحديات الوضع السياسي والاقتصادي تثقل على مسار الفائدة البريطانية

تحديات الوضع السياسي والاقتصادي تثقل على مسار الفائدة البريطانية

بعد الصلابة التي أظهرها الاقتصاد البريطاني في أعقاب الاستفتاء على عضوية الإتحاد الأوروبي في العام الماضي، فشل الاقتصاد في تحقيق توقعات الأسواق المرتفعة في الاحتفاظ بزخم التعافي، ليبدأ في التباطؤ التدريجي. لكن على الرغم من تباطؤ النمو العام، إلا أن الضغوط الهبوطية على العملة البريطانية نتيجة الاستفتاء سوف تدفع التضخم إلى الارتفاع بوتيرة قوية.

هذا، وتسبب تسارع وتيرة ارتفاع التضخم عن وتيرة زيادة الدخل في الإثقال على القدرة الشرائية للمستهلك البريطاني، مما أثر سلباً في النهاية على مستويات الإنفاق.

الأمر الذي دفع بنك إنجلترا إلى إتخاذ أولى خطوات رفع الفائدة خلال عشر أعوام كاملة خلال اجتماعه الأخير مطلع نوفمبر في محاولة لاحتواء ارتفاعات التضخم الحادة، والعودة به للاستقرار بالقرب من هدف البنك. لكن يبقى التحدي الأكبر أمام بنك إنجلترا في الوقت الراهن هو محاولة التوازن بين تسارع وتيرة التضخم وتباطؤ النشاط الاقتصادي. فهل من الحكمة إن يتم رفع الفائدة وسط نمو متراخي؟

إضافة إلى ذلك، تأتي تطورات الوضع السياسي لتزيد من التحديات التي تواجه بنك إنجلترا بداية من فشل رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، في حشد الأغلبية البرلمانية خلال الانتخابات المبكرة المنعقدة في يونيو الماضي. وهو ما يثقل على حركة العملة، إلى جانب هشاشة شعبية حكومة ماي داخل الشارع البريطاني.

وبالرغم من إقدام بنك إنجلترا على قرار رفع الفائدة بواقع 25 نقطة إلى 0.50%، إلا أن الأسواق استقبلت هذا الرفع على أنه “dovish hike”  أو رفع سلبي على الأرجح لن يتبعه مزيد من الرفع ولا يعتبر بداية لتغير مسار السياسة النقدية أو بدء التشديد النقدي. وهو ما كبد الاسترليني خسائر واسعة أمام العملات المنافسة وخاصة اليورو  والدولار الأمريكي.

بالاستناد على توجهات البنك، فإن الأسواق لا تتوقع رفع الفائدة من جديد قبل نهاية العام 2020، نظراً للنبرة السلبية التي تحلت بها خطابات البنك الأخيرة. ويمكن الاستدلال على مدى سلبية نبرة البنك من خلال تحركات العملة عقب القرار، فقد ارتفع زوج اليورو استرليني بحوالي 1.8% في ثاني أيام هذا الشهر. لتسجل العملة البريطانية بذلك أسوأ أداء لها منذ 7  أكتوبر من العام 2016.

كذلك يساهم اتساع الفجوة بين توجهات السياسة النقدية لكن من بنك إنجلترا والفيدرالي الأمريكي في دفع زوج الاسترليني نحو مزيد من الهبوط على المدى المتوسط والبعيد. فحتى الآن، لايزال الفيدرالي الأمريكي على طريقه نحو رفع آخر للفائدة خلال اجتماع ديسمبر، وذلك بعد أن قرر بدء عملية تقليص حجم الموازنة تدريجياً وإعادتها إلى مستويات ما قبل الأزمة.

بالعودة إلى بنك إنجلترا، يمكن القول أنه يواجه واحداً من أكبر التحديات على الإطلاق. فهدفه الأوحد وهو الحفاظ على استقرار الأسعار والحفاظ على وتيرة النمو السنوية قرابة 2% أصبح مهدداً بعد تجاوز التضخم تلك المستويات مرتفعاً إلى 3% في سبتمبر بأسرع وتيرة له منذ 2012، فيما يتوقع البنك مزيد من ارتفاع التضخم خلال أكتوبر. في هذا الضوء، يبدو أن قرار رفع الفائدة كان الخيار الوحيد المتاح أمام البنك لإعادة التضخم إلى مستوياته الطبيعية.

مع ذلك، فإن إتخاذ قرار رفع الفائدة –خطوة تشديدية- في وقت التباطؤ الاقتصادي يعد خطراً. وقد سجل الاقتصاد البريطاني نمواً على أساس سنوي نسبته 1.5% خلال الربع الثالث من العام، بأبطأ وتيرة نمو منذ الربع الأول من 2013.

والآن يحاول البنك الموازنة بين الأمرين، كما صرح محافظ البنك مارك كارني. فقد شدد على جهود البنك في تحقيق التوازن بين السيطرة على التضخم واستمرار دعم النشاط الاقتصادي. عن الأوضاع السياسية، أكد كارني على أن الاقتصاد يمر بفترة اسثنائية بسبب عملية الخروج من الإتحاد الأوروبي.

يستمر تأزم عملية التفاوض حول شروط الانفصال البريطاني ليزيد الضغوط على تطلعات الاقتصاد المحلي. فيما تظل بعض القضايا عالقة بين الطرفين، إلا أنه من المقرر أن تعلن المملكة المتحدة الانفصال الرسمي عن الإتحاد الاوروبي في مارس 2019، أي بعد عامين من تفعيل المادة 50.

لكن بعد انقضاء المراحل الأولى من عملية التفاوض، مازالت الخلافات قائمة بين الجانبين حول عدد من الملفات الهامة على رأسها فاتورة خروج بريطانيا ومستقبل العلاقات التجارية والسياسية بين الطرفين.

في بيان ثنائي، أكد وزير البريكست –ديفيد ديفس- وكبير المفوضين الأوروبين –مايكل بارنير- على اسئناف المحادثات في التاسع والعاشر من نوفمبر الجاري. لكن نظراً للنهج الصارم الذي ينتهجه الجانب البريطاني، باتت الأسواق العالمية تسعر سيناريو عدم التوصل إلى اتفاق، وهو ما قد يثقل على الاقتصاد البريطاني أكثر من نظيره الأوروبي.

تأتي تلك الأوضاع لتضع ليس فقط بنك إنجلترا في موقف صعب، بل تضع الأمة بأكملها أمام تحدٍ هائل سوف يحدد مستقبل البلاد.